?فوجئ الغرب بالحراك الشبابي في بعض الدول العربية، كما فوجئ به بن علي ومبارك والقذافي، ولم يستوعبه الغرب في البداية كما لم يستوعبه ?حتى الساعة كل ?من بشار وصالح. لكن سرعان ما رتب الغرب أوراقه وبدأ يعيد حساباته، وبدأ يغير أصدقاءه وأعداءه، فقلب صفحة الماضي ومزقها ?بل ?وألقى بالكتاب كله في البحر. وأحضر كتاباً جديداً يكتب فيه مستقبله ومستقبل المنطقة، إنه يبحث عن مصالحه الدائمة بأي طريقة. فوضع يده بيد الجماعات الإسلامية التي كان يدرجها قبل أشهر قليلة في قائمة الإرهاب ويقصيها كل إقصاء، أما اليوم فأصبح يقيم العلاقات معها ?بل و?يقدم المساعدات لها. والغرب يبحث عن مصالحه، وأينما وجدها أخذها ومع من وجدها تعامل معه.? ?جاء الحراك العربي قوياً،? ?فأثمرت أشجاره التي رواها الشباب بدمائهم، لكن بمجرد أن سقطت الأنظمة الدكتاتورية فإذا بالحراك يتحول إلى حراك إسلاموي، ثم لم يمض وقت حتى جاء الغرب بكل قوة ليقتطف تلك الثمار دون تعب ولا عناء.? جماعات الإسلام السياسي التي فازت في الانتخابات لم تضف أي جديد للحياة السياسية ولم تقدم أي مشروع سياسي للحكم حتى هذه الساعة، لذا ?يجب أن تعترف أنها لا تمتلك مشرعاً لإدارة دولة حديثة.? إذا لم يكن لجماعات الإسلام السياسي مشروعاً واضحاً لبناء دولها وإدارتها، وإذا كانت خبرتها السياسية متواضعة، وإذا لم تكن مقبولة من قبل الغرب، فكيف تتصور هذه الجماعات أنها سوف تنجح في الحكم؟ ورغم ما تحظى به من قبول في بعض الدول، فإن هذا لا يكفي لإدارة دولة وهذا ما يجعل من المهم أن تدرك تلك الجماعات أن الغرب دائماً يبحث عن حليف ضعيف، وليس أفضل من أن يكون حليفاً لا يمتلك الخبرة ويعاني من ضعف سياسي رغم حجمه الانتخابي. أعتقد أنه من المهم أن تفكر جماعات الإسلام السياسي بمنطقية في الوضع الذي هي فيه وأن لا تغتر بـ"الانتصارات" الوهمية التي تعيشها، فهناك من هو متربص بها وبالمنطقة كلها. ?يحلو للإسلاميين العرب أن يستشهدوا بالتجربة التركية في الحكم والنجاح الذي حققه "حزب العدالة والتنمية" الإسلامي، وكعادتهم يتناسون أو ينسون حقائق مهمة منها أن أربكان حاول أن يحكم ووصل إلى الحكم في تركيا لكنه فشل، فجاء أردوغان من بعده وغير في منهج وخطاب وآليات الحزب بل أنشأ حزباً جديداً برؤية جديدة واقعية أكثر ومرتبطة بالمجتمع? العلماني الذي يعيش فيه?، لذا فإنه حقق نجاحاً سياسياً واقتصادياً يشهد له به أعداؤه قبل أصدقائه. ?الإسلاميون العرب لا يزالون في المرحلة الأربكانية، مرحلة الانغلاق على الذات ورفض الآخر وقلة الخبرة والافتقار إلى الواقعية الاجتماعية والسياسية، ?و?عندما يستطيعون الخروج من هذه المرحلة والوصول إلى المرحلة الأردوغانية ?يمكنهم أن يستشهدوا بالتجربة التركية و?يكونوا شركاء حقيقيين ومفيدين في شؤون الدول، لكن يبدو أن ذلك يحتاج إلى زمن طويل. ?من المهم أن تكون جماعات الإسلام السياسي صادقة مع نفسها وهي في طريقها إلى الحكم، وأن تعترف أن كثير?اً? من الناخبين اختاروها على أساس "تدينها" المفترض، وعلى أساس أنهم جربوا الشيوعيين واليساريين والعلمانيين والقوميين ورجال الأعمال... وكلهم فشلوا، ويريدون أن يجربوا الإسلاميين. هذا هو الواقع الذي من الواضح أن ?بعض ?الإسلاميين ينسونه وهم منتشون بالنصر الذي يعيشونه وهم يعتقدون أن نضالهم الطويل أصبح يأتي بنتائجه. ?بقبولها المشاركة السياسية ?تكون ?جماعات الإسلام السياسي ?قد بدأت ?باستخدام رصيدها ?السياسي والاجتماعي? والديني? في المجتمع ?وفي الشارع العربي?،? وبدأ الإسلاميون يحصدون الأصوات في الانتخابات في تونس ومصر والمغرب وليبيا... وهم الذين كانوا قبل أيام من الحراك العربي يدّعون أنهم لا يرغبون في السلطة، بل بعضهم كان يحرم الانتخابات والديمقراطية?...? لكن بمجرد أن شمت تلك الجماعات? رائحة السلطة نسيت كل ما ?أ?فتت به، ?واستبدل ?أقطابهم "?الجلابية?"? بالبدلة والكرافتة?، وبعد أن كان ?أحدهم ?يخطب في المساجد ويلقي الدروس الدينية، نقل خطبه إلى البرلمان ليلقي الخطب السياسية،? وآخر يرفع الأذان!? هكذا بين عشية وضحاها يتحول شيخ الدين إلى رجل سياسة وبرلمان!? ??البعض يشجع الإسلاميين على الحكم وعلى تولي السلطة وكأنه يشجع فريقاً مسرحياً على الصعود إلى المسرح لأداء عرض فني ثم النزول عن خشبة المسرح لتأتي فرقة أخرى لتقدم عرضها التالي!?? البعض يهرول من أجل كسب ود الإسلاميين ويجامل تلك الجماعات وقياداتها ولا يتردد في أن يؤكد على أن? من حقها الحكم ومن حقها أن تحصل على فرصتها كما فعل الآخرون! لكن لماذا لا يكون هؤلاء صادقين مع الإسلاميين؟ لماذا لا يقولون لهم إن إدارة دولة وحكومة وشعب ليس كإدارة جماعة ?سرية أ?و حزب منظم ?أ?و إدارة مجموعة أفراد لا يملكون ?من أمرهم ?غير السمع والطاعة في المكره والمنشط؟! من واجبنا أن نكون صادقين ?مع أولئك، وأن نقول لهم إن نياتهم لا تكفي لإدارة دولة، ولا تكفي للتعامل مع قوى عظمى لا ترحم الأقوياء فكيف بالضعفاء؟