يلاحظ المدقق في الوضع السوري الراهن أن الوطن السوري يمر بمخاطر عظمى تهدد وحدته الأولية. وفي هذا السياق، يتضح أن تلك المخاطر تجد موقعها الآن في الامتداد التاريخي لاتفاق سايكس - بيكو الاستعماري، الذي بمقتضاه أصبحت سوريا تابعة لفرنسا بصيغة بلد مُحتل، وحاول الفرنسيون أن يفككوا هذا البلد من الداخل بعد أن احتلوه، فكان في استراتيجيتهم أن تظهر دولة للدروز وأخرى للسُنة وثالثة للعلويين الخ. فما كان من هذه الطوائف، وعلى رؤوسهم زعماؤهم الوطنيون، إلا أن وقفوا كالطود في وجه هذا المشروع التقسيمي الاستعماري، حيث دخلوا في حرب استقلال مضادة لفرنسا انتهت بالنصر وبتحقيق استقلال سوريا الوطن. وفي أعقاب الاستقلال نشأ مشروع وطني ديمقراطي يعيد لسوريا مسارها النهضوي، بما عنى ذلك من دعوة إلى النهضة والتنمية والتنوير. ومرة ثانية، فقدت سوريا مشروعها الوطني الديمقراطي، بعد اشتراط عبد الناصر على بعض زعمائها من حزب "البعث" وقبول هؤلاء، أن تُلغى بجرة قلم الأحزاب في سوريا (وكانت أحزاب مصر قد ألغيت) وإنهاء المجتمع السياسي والمدني. وعلى هذا الطريق تمت تصفية المؤسسات التشريعية والقضائية والتنفيذية، ليفتح الطريق على مصراعيه أمام عملية الاستئثار بها، ولسنا بحاجة لاسترجاع التجارب في العالم التي تأسست وتضخمت في إطار مثل ذلك الاستئثار حتى ندرك أن تلك التجارب قادت إلى تهشيم البلاد عبر تدمير بنيتها وفتح الطريق سالكة أمام الأجنبي. وهذا، بدوره، ينجز الخطوة الأخيرة الحاسمة، وهي تقسيم البلدان التي تحت قبضتها كسبيل لإحكام القبضة عليها. ذلك ما أسس له الأميركيون في العراق مثلاً، الذي يفصح تقسيمه عن نفسه بصيغة إضافية هنا وتقويته هناك، إضافة إلى مسالك أخرى. وهكذا، فإذا كان الأمر على هذا النحو، فهو أيضاً ذلك الذي تأسس في سوريا على مدى أربعين عاماً ونيف. فقد أصبحت أهداف واستراتيجيات الإصلاح في خبر كان بعد ما وضعت طواقم أمنية وعسكرية أيديها على كل شيء. وقد غاب عن أذهان من أراد أن يحول سيطرة الأسد، الأب والابن، إلى سيطرة أبدية، أن هذه الرغبة غير قابلة للتحقق بالاعتبار التاريخي والسياسي والأخلاقي، خصوصاً أن هذا الأمر في سوريا المعنية، كان يفقد من مصداقيته بسبب من تعاظم التصدع ها هنا، بحكم الفساد والإفساد وتجويع العباد مع إفقادهم كرامتهم وحرياتهم. لقد اختُصر البلد الجميل سوريا إلى أقلية من الحكام والمنتفعين النهابين، على قدم وساق! وهذه الأقلية OLIGARCHY افتقدت الحكمة والتواضع، وزاد الجشع النهَّم والاستهتار بوحدة البلد المحصَّنة بالعدل وسيادة القانون والدفاع عن المفلوكين، الذين لا يملكون حتى أجسادهم، ها هنا، نستذكر بمرارة الدرس العلمي العميق، الذي قدمه ابن خلدون من القرن الرابع عشر الميلادي، ويتلخص بأنه الطريق تصبح سالكة أمام الحُكام في الداخل، وشهية أمام الخارج الشَّبق. وبدلاً من اللجوء إلى استجابة عقلانية متفهمة لـ "الحقوق الشرعية المهدورة"، واجه النظام الشباب مواجهة قاسية، خصوصاً حين بدأ يستخدم الرصاص الحيّ، فمن طرف راح هذا النظام يتهم جموع الشباب بأنهم مجموعات مسلحة تخدم "الخارج" أو بأنهم مُندسون أو سلفيون أو إرهابيون. والحقيقة إن رؤوس النظام أسهمت بذلك - بمعرفة أو بدونها - في إضعاف الداخل، ومن ثم في تهيئته للاختراق من قبل "مؤامرة كونية" تسعى إلى تقسيم البلد طائفياً أو عرقياً أو دينياً، وغير ذلك. ومن يعتقد أن الخطأ، القاتل خصوصاً، يزول بتقادم الزمن عليه، إنما هو واهم، والتاريخ يقدم البرهان!