ما هو الشيء - أو الأشياء في الحقيقة- الذي يقترح العالم عمله من أجل التعامل مع دوله الفاشلة، التي يوجد فيها من القسوة، والكراهية، والخوف، والشر، والمعاناة الإنسانية، ما يفوق أكثر خيالاتنا جموحاً؟ لو كان أحد قد وجه هذا السؤال قبل الثالث والعشرين من فبراير الماضي، فلربما كانت الإجابة هي: ليس هناك الكثير مما يمكن عمله. ففي هذا اليوم، عقد رئيس الوزراء البريطاني مؤتمراً في مقر"لانكاستر هاوس" التابع لوزارة الخارجية محوره عن مستقبل الصومال. وكان الهدف من المؤتمر هو التوصل لتسوية سياسية دائمة لن تؤدي فحسب لإحلال السلام والأمن لتلك الأمة الممزقة، وإنما أيضاً لتقليص الإرهاب الدولي والقرصنة قبالة سواحلها. كان عقد هذا المؤتمر محاولة مجدية لحد كبير، ويمكنني أن أشير هنا إلى أن النجاح في عقده، يمثل تمام ذلك النوع من العمل، الذي كان المرء يتوقعه من دولة مثل بريطانيا، التي تعتز بكونها عضواً دائماً في مجلس الأمن الدولي. في بداية شهر فبراير، قام "ويليام هيج" الذي يثبت يوماً بعد يوم أنه وزير خارجية ممتاز وجسور، بزيارة العاصمة الصومالية مقديشو كانت هي الأولى من نوعها، التي يقوم بها وزير خارجية بريطاني خلال العشرين عاماً الماضية. وألمح "هيج" بعد الزيارة إلى أن هناك تقدماً يتم تحقيقه أخيراً في الصومال، وهو ما كان يمثل- من وجهة نظري- لحظة طيبة للغاية، لجهد ودعم دبلوماسيين دوليين جرت زيادة وتيرتهما مؤخراً بدرجة كبيرة. وبعد الزيارة وصف"هيج" الصومال بأنها "أفشل دولة في العالم". كان ذلك حقيقة مؤكدة، وليس مجرد اقتباس جيد، من سطور تقرير أعدته مؤسسة "صندوق من أجل السلام"، وهي أحد المراكز الفكرية الأميركية المعروفة، عن أحوال تلك الدولة البائسة التي تصدرت قائمة الدول الفاشلة في العالم التي قامت تلك المؤسسة بإعدادها. الأحوال الحالية في الصومال صادمة بدرجة مروعة، حيث يسيطر على المشهد فيها أمراء الحرب، والميليشيات القوية عديمة الرحمة. وخلال الصراعات التي اندلعت في الصومال خلال العقدين الأخيرين لقى ما يزيد على مليون شخص مصرعهم، وفر ثلاثة أرباع مليون آخرون إلى الدول المجاورة طلباً للملاذ والأمان. ولم تقتصر المصائب على ذلك، حيث وصلت المجاعة في تلك البلد إلى مستوى غير مسبوق خلال الستين عاماً الماضية، كما تدهورت الأحوال الأمنية فيها، وازدادت المخاطر لدرجة أن منظمات الإغاثة الدولية باتت عاجزة عن إيصال المساعدات إلى السكان المنكوبين بسبب المخاطر العديدة والجسيمة، التي كان العاملون فيها يتعرضون لها أثناء تنقلهم في أرجاء ذلك البلد المضطرب، كما كان هناك سبب آخر يعيق عمل هذه المنظمات، وهي أن الصومال كانت تحمل أيضاً لقب الدولة الأكثر فساداً في العالم. وما زالت منظمة "الشباب" القوية تسيطر على جزء كبير من مساحة الصومال، على الرغم من أن قوة عسكرية من دول الاتحاد الأفريقي قوامها 12000 جندي تمكنت خلال الآونة الأخيرة من طرد معظم مقاتلي الحركة خارج "مقديشو". وكانت تلك الحركة التي تضم تحت جناحها الملوث بالدم "جهاديين" يبحثون عن أهداف جديدة لمهاجمة العالم الغربي، قد أعلنت منذ مدة أنها تشعر بالفخر لاندماجها مع تنظيم "القاعدة". وهناك سبب وجيه لاهتمام بريطانيا الزائد بالصومال، هو أن خبراء الاستخبارات يخشون من أن يكون هناك ما يقرب من 100 مواطن بريطاني يقاتلون الآن في صفوف حركة "الشباب". وسبب الخشية يرجع إلى احتمال عودة هؤلاء الشباب بعد أن يكتسبوا خبرة في القتال مرة أخرى لبريطانيا لخلق اضطرابات فيها. وكان هؤلاء الخبراء يرون أن استمرار الأوضاع في الصومال على ما هي عليه الآن، يمكن أن يجعل أكثر جذباً لهؤلاء الشباب من اليمن - على سبيل المثال. وهناك سبب آخر للاهتمام البريطاني بالصومال، ألا وهو استشراء ظاهرة القرصنة التي باتت تمثل مشكلة ضخمة وباهظة التكلفة للغاية. ففي السنوات الأخيرة تم دفع عشرات الملايين من الدولارات في صورة فَدية للقراصنة، كما ارتفعت تكلفة التأمين التي يدفعها ملاك السفن الذين يخشون من تعرض سفنهم للاختطاف من قبل القراصنة عند مرورها بالقرب من سواحل الصومال. ويقول الخبراء إن الخسائر -بمضي الوقت- لن تقتصر على ملاك السفن فحسب، بل سيدفعها العالم بأسره على اعتبار أن هذه الظاهرة تؤثر في مقتل على الاقتصاد العالمي المثقل بالمشكلات، لأن تجنب الناقلات الضخمة المرور من خليج عدن يؤدي لارتفاع أسعار النفط المستورد من دول المنطقة. كانت هناك مشكلة أخرى تتعلق بهذه الظاهرة المقلقة، وهي تلك الخاصة بالمكان الذي يحاكم فيه القراصنة بعد إلقاء القبض عليهم وأسرهم، بيد أن تلك المشكلة وجدت طريقها نحو الحل نسبياً بعد أن وافقت ثلاث من دول الكومنولث، هي تنزانيا وموريشيوس وسيشل على إحالة القراصنة الذين يتم القبض عليهم للمحاكمة بها وتحويلهم ـ في حالة النجاح في إدانتهم- مرة أخرى لسجون في الصومال وبونت لاند(منطقة تتمتع بالحكم الذاتي وتقع في شمال غرب الصومال). ويشار في هذا السياق إلى أن قوات الاتحاد الأفريقي قد أبلت بلاء حسناً، وحاربت بكفاءة في بعض الأحيان من بيت لبيت ضد مقاتلي حركة شباب "المجاهدين"، كما حاولت المفرزة الكينية العاملة ضمن هذه القوات الاستيلاء على معاقلهم في كسمايو، ولكنها وجدت أن معظم الطرق هناك من النوعية، التي لا يمكن اجتيازها بواسطة مركباتها وآلياتها المدرعة. وبشكل عام يمكن القول إن الاتحاد الأفريقي كمنظمة قد فعل الكثير من أجل بعث الأمل بالنسبة لمستقبل الصومال. في ضوء ذلك كله، يجب النظر إلى مؤتمر لندن على أنه بداية مفيدة لما يتوقع أن يكون عملية تعافي طويلة وبطيئة، وشاقة للصومال. ويمكن القول باختصار شديد إن المؤتمر يؤشر على الاتجاه الصحيح، أو أنه خطوة في الاتجاه الصحيح، لحل هذه الأزمة المستعصية. سير سيريل تاونسند سياسي بريطاني من حزب "المحافظين"