الرهان الحقيقي الذي تعيشه دول ما بعد الموجات الأولى للحراك العربي يكمن في المجال الاقتصادي، فالحكومات الجديدة والإسلامية منها خاصة التي وصلت بشق الأنفس إلى السلطة سيحكم عليها بعد أشهر معدودات من مزاولة تسيير الشأن العام من طرف الشعوب التي أوصلتها إلى تلك الأمكنة عن طريق صناديق الاقتراع. وهذه المرحلة يمكن أن تسمى بمرحلة النشوة والسرور كعائلة تذهب إلى السينما لمشاهدة فيلم حصل على أربع جوائز"أوسكار"، وتتبعها بفيلمين حصل كل واحد منهما على خمس جوائز "أوسكر"، تلك العائلة لو عرضت عليها مشاهدة أفلام أخرى بعد الأفلام الثلاثة الأولى، ولو حصلت على مئة "أوسكار" ستقول إن عليها تناول وجبة طعام قبل كل شيء... فنفس الشيء يمكن أن يقال عن تلك الدول، فالشعوب سمعت الشعارات الرنانة وصدقت معظمها ورقصت على أوتارها، موصلة أصحابها إلى الحكومات كما هو الشأن في المغرب وأخرى في الطريق... ولكن آذانها لن تطيق سماع تلك الشعارات مرة أخرى إذا لم توفر لها رغيف الخبز المقبول وتحقق لها التنمية وتحسن مستوى معيشتها، والشعوب غالباً ما لا تصبر كثيراً على غياب هذه الضروريات. والمغرب دولة استحكمت فيها أسس الديمقراطية المتينة عن طريق الميثاق التعاقدي ووصل أول حزب إسلامي في تاريخ المغرب إلى الحكومة، والرهان المعقود حولها بعد أن حققت حاليّاً السلم الاجتماعي يمكن أن يختزل في تحقيق تنمية وتحسين مستوى العيش والقضاء على البطالة وتعميم رغيف الخبز المقبول على الجميع. وسنقف هنا مع قرائنا الأعزاء عند واقع الاقتصاد المغربي. فاقتصاد المغرب يظل رهيناً لخيرات المطر، والفلاحة تشغل ما يزيد عن 38 في المئة من اليد العاملة وتساهم بـ 20 في المئة من الناتج الداخلي الخام، وتذهب المؤشرات الحالية إلى أن المحصول الفلاحي سيعرف أزمة هذه السنة بسبب ضعف التساقطات المطرية، أما على صعيد القطاعات الثانوية، فلقد عرف القطاع تراجعاً طفيفاً في الأنشطة الصناعية وتطوراً ملموساً في قطاع البناء والأشغال العمومية، وتعكس هذه التحولات البنيوية المجهودات المبذولة لتقوية عجلات النمو الاقتصادي المغربي انطلاقاً من استراتيجيات وسياسات قطاعية محكمة، وتسعى هذه الأخيرة إلى تحسين إمكانيات التصدير ومجهود الاستثمار من خلال تسريع نمو القطاعات الاستراتيجية التقليدية وتشجيع المهن الحرة التي يتوافر فيها المغرب على ميزات تنافسية. وعلى مستوى الطلب، يبقى النمو الوطني مدفوعاً في الدرجة الأولى بالطلب الداخلي خاصة الاستهلاك النهائي للأسر، والاستثمار الذي يتجه نحو الارتفاع وتقوية وتيرة النمو، ويمكن تفسير هذا التحسن التدريجي في التحويلات والمداخيل الصافية المتأتية من الخارج والمداخيل الفلاحية وغير الفلاحية. أما بالنسبة إلى نمو الاستثمار، فقد انتقل من 2,9 في المئة إلى 8,3 في المئة، بمعنى أنه عرف تحسناً كبيراً في مساهمته في الناتج الداخلي الإجمالي، أما على صعيد تطور الأسعار، وكما تذهب إلى ذلك تقارير بنك المغرب، فقد تميز العقدان الأخيران بتقلص الضغوط التضخمية سواء على المستوى الخارجي أو الداخلي، فهكذا انتقل مؤشر التضخم الأساسي الذي يعكس التوجه الرئيسي للأسعار باستثناء المواد الغذائية المتقلبة والمواد المقننة من 4 في المئة في المتوسط خلال الفترة 1994- 2000 إلى 1,8 في المئة خلال الفترة 2001- 2010، ويمكن تفسير هذا التطور بانخفاض التضخم عالميّاً وضعف الضغوط التضخمية ذات المصدر الداخلي؛ أما بالنسبة لمبادلات السلع فقد بلغت الصادرات التي استفادت من انتعاش الطلب العالمي الموجه للمغرب بـ 147,9 مليار درهم في 2010، ويبقى المستفيد الرئيسي من هذه الدينامية صادرات الفوسفات، ولكن مع ذلك وصل عجز المبادلات الجارية في المتوسط إلى 5 في المئة من الناتج الداخلي الإجمالي بين 2008 و2010، مقابل فائض بلغ في المتوسط 2,4 في المئة من الناتج الإجمالي ما بين سنوات 2001 و2007، وبخصوص مداخيل الأسفار، فقد عرفت نمواً مهمّاً على إثر الانتعاش القوي الذي شهده القطاع السياحي حيث بلغت في نهاية السنوات العشر الأخيرة 40,3 مليار درهم كمتوسط سنوي أي ما يعادل 7,5 في المئة من الناتج الداخلي الإجمالي، وفيما يخص الاستثمارات الأجنبية استقطب المغرب نسبة مهمة من الاستثمارات الأجنبية المباشرة بزيادة قدرها 341 في المئة بين سنوات 2001 و2010 خاصة من دول الاتحاد الأوروبي وبفضل عمليات الخوصصة المهمة التي تم إنجازها ودينامية قطاعات السياحة والعقار وكذا المناولة في قطاع صناعة الطيران والسيارات. أما القطاع المالي، فقد بقي في منأى عن الاضطرابات المالية العالمية وخاصة في القارة العجوز ولكن آثار الأزمة بدأت تظهر من خلال قنوات الانتقال الماكرو- اقتصادية، فتباطؤ الاقتصاد لدى شركاء المغرب يؤثر اليوم على الاقتصاد المغربي خلال قنوات الانتقال الأربع الرئيسية والمتمثلة في صادرات السلع وتحويلات المغاربة المقيمين بالخارج ومداخيل الأسفار وتدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة. إن على حكومة عبد الإله بنكيران إيجاد حلول لهذه القنوات الانتقالية وهي مسألة ليست بالهينة، كما أن عليها تخفيف أثر الظروف المناخية على مستوى النمو، وإيجاد علاج للتنافسية الضعيفة للصادرات وتدهور رصيد الحساب الجاري لميزان الأداءات وللمخاطر المحيطة بالتحكم في عجز الميزان الاجتماعي. والراهن أن الحكومة المغربية وكل الحكومات العربية الجديدة ستجد نفسها في المخاطر والمطبّات الاقتصادية والمالية نفسها... وعلى رغم مخططات الإنعاش الاقتصادي التي يتم إعدادها، والضخ المكثف للرساميل لدعم الأنظمة المالية، لا تزال الثقة منعدمة لدى الفاعلين الاقتصاديين ولا يزال الشك يخيم على الظرفية الاقتصادية العالمية، وزوال هذه الثقة يمكنه أن ينتقل بسهولة إلى الناخبين أيّاً كان اللون السياسي لحكومة ما بعد الموجات الأولى للربيع العربي.