كان لإصدار الخميني افتوى بهدر دم الكاتب البريطاني الهندي الأصل سلمان رشدي، بعد إصداره رواية "آيات شيطانية" التي تسيء إلى شخص الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، بمثابة خدمة جليلة للترويج لهذا الكاتب، واعتباره "بطلاً" من أبطال حرية الرأي والتعبير، حتى تم تكريمه ومنحه عدة ألقاب في بريطانيا والسويد ودول أخرى. ولم تخدم هذه الفتوى في شيء.. بل على العكس، فلو تم اغتيال رشدي تنفيذاً لتلك الفتوى، فإننا سنرى تمثال رشدي اليوم في الساحات، ولسُمّيت الشوارع باسمه تكريماً له في المدن الأوروبية والأميركية. وكذلك كان الحال بشأن رواية "وليمة لأعشاب البحر" للروائي حيدر حيدر التي صدرت أول مرة عام 1983 ولم يسمع عنها حينها إلا القليل. ولكن بعد أن أعيدت طباعتها عام 2000، أثير جدل كبير حولها خاصة بعد إصدار فتاوى من الأزهر وهيئة كبار العلماء في السعودية بتكفير كاتبها لتطاوله على الذات الإلهية ورسولنا الكريم. ومرة أخرى اشتهرت الرواية وصارت حديث العالمين العربي والغربي. وانبرى المدافعون عن الرواية وكاتبها من شتى البقاع، وكان المستفيد الأكبر هو الروائي نفسه ودار النشر اللذان جنيا أرباحاً كبيرة من الترويج والدعاية التي أثيرت بشأن الرواية. وعلى امتداد التاريخ الإسلامي ظهر مئات الفلاسفة والمتكلمين الذين تجادلوا مع الفقهاء والعامة، وكانوا يتكلمون في أمور لا تخلو من الزندقة والإلحاد. ولكن من تمت معاداتهم وشنت عليهم الحروب أو قتلوا تنفيذاً لحد الردة فيهم، هم من خلدهم التاريخ وحازوا الشهرة مثل أبي منصور الحلاج وابن عربي. ومؤخراً، ظهر كاتب سعودي شاب ومغمور، تجرأ بكتابات لا تليق بحق رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، فقامت الدنيا ولم تقعد، وأصبح اسمه على كل لسان. وتحدث عنه القاصي والداني والعالم والجاهل. وأصبح شخصية الموسم، ونجماً في الإعلام أعاد إلى الأذهان سيرة سلمان رشدي وحيدر حيدر. لست في معرض الدفاع عن ضلالات أصحاب الكتابات المسيئة للرموز الإسلامية والعقدية، ولكنني أود أن أنبه إلى أن إصدار أحكام التكفير والزندقة والتخوين بحق هؤلاء الأشخاص مضارها أكبر من منافعها، فنحن بذلك نصنع منهم أبطالًا ورموزاً لحرية الرأي والتعبير. والأفضل عدم إعلان الأحكام بحقهم أو إصدار مواقف تدعو إلى إقصائهم أو تصفيتهم. ومن الضروري عدم تحويل موضوعهم إلى قضية رأي عام، وترك أفكارهم تخبو تحت الرماد لا أن نزيدها اشتعالاً بفتاوى التكفير والتضليل والرمي بالزندقة والدعوة إلى الصلب وضرب الرقاب! لا أعني عند دعوتي للسكوت عنهم "إعلاميّاً" أن نرضى عن أقوالهم، بل السكوت عنهم أفضل لتجنب تحول الفتنة الواحدة إلى فتن أشد، والمنكر إلى منكرات أعظم. في الفضاء الإلكتروني وعالم الإعلام الاجتماعي، يتعامل البعض مع هذه التقنيات الحديثة بقليل من الوعي وكثير من اللامسؤولية.. فتتحول صفحات النقاش في الفيسبوك وتويتر إلى ساحات معركة بين المتحاورين المتخاصمين.. وتتعالى اتهامات التخوين والتضليل والتفسيق والتكفير، وتبادل السباب والشتائم بين الليبراليين العلمانيين والإسلاميين، أو بين السلفيين التقليديين والإسلاميين التنويريين، وأي فريقين اختلفا حول موضوع سياسي أو اجتماعي أو ديني فيتحول النقاش إلى قذف واتهامات وتطاول. ليس من الحكمة التعامل مع المخالف في الرأي بالإقصاء.. لأن إقصاءه سيزيد من تشبثه برأيه وموقفه، ولكن من الأفضل اتباع سياسة الاحتواء والبحث عن القيم والأرضيات المشتركة والتفاهم عليها. أجد نفسي في هذا الصدد ميالاً إلى طرح جون ميلتون أحد فلاسفة التنوير عندما انتقد نظام الرقابة الذي كانت تفرضه الحكومة البريطانية في القرن السابع عشر، بحجة أن الفرد قادر على التعامل المنطقي وتمييز الخطأ من الصواب والسيء من الجيد. ونشأ عن كتابات ميلتون مفهوم "السوق الحرة للأفكار"، فحينما يتجادل الناس مع بعضهم بعضاً فإن الحجج الجيدة هي التي تسود وتفنى الحجج الواهية.