لا مندوحة من الإقرار بأن فوز الأحزاب الإسلامية في عدد من البلدان العربية التي شهدت انتخابات تعددية حرة، ولد مفارقة غريبة قوامها وعي الإسلاميين بالعجز عن حسم إشكاليات الشرعية الدينية عن طريق الموازين الانتخابية. في مصر سمعت عدداً من قادة جماعة "الإخوان المسلمين" يبررون رفضهم دعم مرشح إسلامي في الاستحقاقات الرئاسية القادمة بأن الظروف الموضوعية تقتضي تقاسم السلطة مع الأطراف الأخرى تخففاً من مسؤولية بناء النموذج الإسلامي المكتمل، الذي لا تتوافر المحددات العملية لقيامه. وفي تونس حيث اندلع في قاعة المجلس البرلماني نقاش حاد حول منزلة الشريعة الإسلامية في الدستور، لا يخفي زعماء حزب "النهضة" أنهم مستعدون للاكتفاء بالنص على المرجعية الإسلامية في عموميتها دون التقيد بالمدونة القانونية التفصيلية. التيارات السياسية المتنافسة مع التشكيلات الإسلامية تنظر إلى هذه المواقف بأنها مجرد تكتيكات ظرفية آنية، متهمة الطرف الإسلامي بالسعي إلى إقامة "نظام أوتوقراطي" بالطريقة المتدرجة. إن مكمن الإشكال عائد بنظرنا إلى الإشكالية الضمنية المتعلقة بالمضمون المعياري العيني للشريعة الإسلامية: هل يتعلق الأمر بمدونة قانونية هي مقوم المشروع الإسلامي أو بمنظومة قيمية تشكل إطاراً ناظماً للتشريع والممارسة العمومية؟ ولا بد من الإشارة إلى الانطباع السائد داخل الأدبيات الإسلامية والغربية معاً حول المركزية القانونية في الإسلام، التي تتجلى في شمولية تشريعية لكل المجالات العمومية والفردية بما فيها أدق تفصيلات الحياة الشخصية. وقد ذهب المفكر القانوني التونسي "عياض بن عاشور" إلى أن القانون في الإسلام هو في آن واحد التعبير عن الإرادة الإلهية ودعامة النظام الاجتماعي وتجسيد العدالة والقوة الرادعة للشر وعلامة وحدة الأمة. فالقانون في الإسلام إذن هو من هذا المنظور "لاهوت كوني" كامل حسب عبارة "رالف ستهلاي". وليس من همنا الكشف عن الخلفيات الاستشراقية البعيدة والقريبة لهذه الأطروحة التي ترى أن البنية اللاهوتية الإسلامية مبنية على نموذج قانوني سياسي هو مبدأ الهيمنة والطاعة. فالعلاقة بين الخالق والإنسان تتلخص في الأحكام التشريعية، باعتبار التصور المجرد للألوهية الذي لا وساطة فيه ولا معنى فيه إلا للامتثال لأوامر إلزامية تبنى عليها عقوبات أخروية. ومن هنا قال البعض إن الإسلام لا يحتوي في الواقع على نظرية في الأخلاق بمعنى الواجب بالمفهوم الكانطي القائم على معياري التجرد والكونية. وليس من همنا ولوج هذا الحوار النظري المتشعب، وإنما حسبنا الإشارة إلى ملاحظات ثلاث تتطلب وقفة انتباه وتحليل: أولاها: إن البنية اللاهوتية في الإسلام، وإنْ كانت تقوم فعلاً على معيار التوحيد، إلا أنها مزدوجة التشكل، تتوزع إلى لاهوت الغيب (الإله المجرد الذي ليس كمثله شيء ولا يكافئه أحد)، ولاهوت الشهادة أو التجلي الذي يصل حد التشبيه الظاهر بتأويلاته المختلفة. ولا شك أن هذه الازدواجية هي التي تفسر ثراء وتنوع المنظومة العقدية الكلامية الإسلامية التي تتأرجح بين اللاهوت السلبي (نفي الصفات) والتجسيم الحرفي مروراً بالتأويل العرفاني لصلة الحق والخلق. ثانياً: إذا كانت البنية اللاهوتية للإسلام ترفض فكرة الاصطفاء اليهودية وفكرة التجسد المسيحية لأسباب تتعلق بجوهر ومقتضيات التوحيد، فإن لاهوت التوحيد لم يفض إلى بناء ميتافيزيقا متعالية للتفكير في الألوهية (إلا في حدود فلسفية ضيقة متأثرة بالميتافيزيقا اليونانية)، بل تحول إلى تصور أنثربولوجي واسع يتعلق بمركزية الإنسان بصفته مرآة الكون ومستودع الأمانة الإلهية ومظهر الترقي والاكتمال، ولذا اعتبر الفيلسوف الفرنسي "كرستيان جامبيه" في كتابه الهام الصادر مؤخراً بعنوان "ما هي الفلسفة الإسلامية؟" إن الإشكالية المحورية للفكر الإسلامي الوسيط هي إشكالية أخلاقية تتعلق بمعرفة النفس وعلاجها شرطاً لعلاج المجتمع والدولة. فمعرفة النفس هي المسلك لمعرفة الله من خلال مسار روحي متدرج للتزكية والتخلق بالأسماء الإلهية الحسنى. ثالثاً:إن المنظومة القيمية في الإسلام تتوزع إلى دائرتين متمايزتين: دائرة المعايير والأحكام التي يجب أن يتوافر فيها معيار الدافع الأخلاقي والشمولية ودائرة الترقي والاكتمال، التي تندرج في أخلاقيات "الاهتمام بالذات" (حسب عبارة ميشال فوكو)، أي جمالية السلوك وفق مطلب الحكمة. فليس من الصحيح أن المنظومة الأخلاقية الإسلامية هي مجرد "مدونة سلوكية وضعية " أي أحكام خارجية مفروضة. السمة الأخلاقية لأحكام التكليف تبدو جلية في محددين رئيسيين: مبدأ الحرية الذي هو شرط التكليف ومبدأ الشمولية الذي هو إطار معقوليتها. ولا أهمية كبرى للنقاش الكلامي – الأصولي حول غرضية الأحكام الالهية، أي قابليتها للتعليل العقلي، ما دام الاتفاق قائماً حول معقوليتها سواء بالقول بالتحسين الذاتي (الأطروحة الاعتزالية) أو بالتحسين الارتجاعي أي إدراك علتها بعد وضعها شرعاً (الأطروحة الأشعرية). مكمن الإشكال هو ما فات البعض من إدراك الفرق الجوهري بين نمطين من العقلانية الكونية باستعارة عبارات "رورتي": عقلانية "الموضوعية"(المعرفة المجردة للظاهرة) وعقلانية "التضامن"، أي الالتقاء حول قيم جامعة مؤسسة على الممارسة والعمل. وقد تعلمنا منذ "نتشه" أن المعارف هي في عمقها تقويمات وتأويلات حيوية لا أحكام مجردة وموضوعية. ينتج عن هذه الملاحظة أن الأحكام المنزلة ليست قانوناً بالمعنى الحديث أي مدونة وضعية إجرائية، بل هي صلة إلهية بالإنسان، ومنظومة قيم عليا ترسم مقاصد واتجاهات للممارسة والفعل وتضع ضوابط ومحددات للسلوك الفردي والجماعي. لقد اعتبر أبو حامد الغزالي في "الإحياء" أن الفقه علم وضعي وعرف الفقيه بأنه "العالم بقانون السياسة وطريق التوسط بين الخلق، إذا تنازعوا بحكم الشهوات "من أجل" استقامة أمورهم في الدنيا". الدين إذن في مبناه وروحه ممارسة أخلاقية وليس مدونة معيارية، ولا يمكن اختزاله في الأحكام الملزمة التي تحتكر مقولة "الشريعة" رغم أن هذه العبارة تفيد معنى النهج والمسلك والطريق لا المذهب الجامد أو المدونة الجاهزة. وحاصل الأمر أن عبارة "القانون الإسلامي "تحتاج إلى نقد منهجي، تقتضيه الظروف الراهنة لتجربة التحول الديمقراطي في البلاد العربية.