في العالم العربي ثلاث ثورات سلمية وصل الإسلامويون من خلالها للسلطة السياسية أو هم في الطريق إلى ذلك في تونس ومصر واليمن، وثورتان أخريان لم تستمرا في السلميّة، بل تحولتا للصراع المسلح في ليبيا سريعاً وفي سوريا بعد أشهر عديدة، ومع ذلك فسيكون للإسلامويين دور كبير في مستقبلهما السياسي. بعد هذه المرحلة التي خرجت فيها جماعات الإسلام السياسي وتياراته كالإخوان المسلمين والسلفيين لسطح المشهد السياسي وقيادة الدولة، سيكون من الطبيعي أن يتجه الكثير من مراكز الأبحاث والباحثين والمثقفين والسياسيين إلى محاولة فهم هذه الجماعات ورموزها وخطابها، غير أنّ المثير هو أن هذه الكوكبة الجديدة من الباحثين الجدد في هذا المجال ستصاب بالارتباك إنْ اختارت أن تنطلق من هذه اللحظة لتقرأ هذه الجماعات وخطاباتها بعيداً عن الماضي. الارتباك الذي سيحصل له عدة مسببات من أهمّها أنّ خطاب هذه الجماعات حالياً ينضح بـمفاهيم "المدنية" و"الحرية" و"الحقوق" و"البناء" و"الديمقراطية" و"السلميّة" وهي شعارات مدنية بامتياز، ولكنّها لا تعبّر بشكلٍ واضحٍ عن طبيعة هذه الجماعات، وسيكون الارتباك أكثر لدى الباحثين الجدد من خارج المنطقة أي لدى الشرقيين من جهة ولدى الغربيين بشكل أكبر وأعمق، ذلك أنّ هؤلاء الغربيين ربما تبادر إليهم أنّ المقصود بهذه المفاهيم حين ترجمتها لهم هو ذات المعروف لديهم في سياقهم الحضاري الغربي، وربما وقع الشرقيون في ذات الشرك. وسيصاب بالارتباك المعرفي أكثر من يلقي منهم مجرد نظرةٍ سريعةٍ على خطابات تلك الجماعات في الماضي القريب حيث "الحاكمية" و"الجاهلية" وحيث خطاب سيّد قطب الذي كان يكفّر كل السلطات والقيادات السياسية في العالم ويقترب من تكفير عامة المسلمين، ولن ينجح في النجاة من هذا الارتباك إلا من يستطيع العودة الفعلية للخطابات السابقة لهذه الجماعات بكل تطرفها وعدائيتها، وبكلّ الظروف التي مرّت بها وحوّلتها لمصلحتها، وكذلك العودة لتاريخها الفعلي حيث لا مكان للحرية والسلميّة بل التمجيد في الخطاب "لنازية هتلر وفاشية موسوليني وشيوعية ستالين" سابق لمرحلة سيد قطب لدى "الإخوان" ومتصل بالمؤسس البنّا، وحيث الممارسة الفعلية مليئةٌ بأعمال العنف والاغتيالات. كما أنّه سيزيد من هذا الارتباك ارتباك آخر سيجري على مستوى آخر، ذلك الذي دخلت فيه هذه الجماعات داخلياً حيث بدأت تسعى بشكل مكثف لبناء خطابٍ جديدٍ تمليه عليها البراجماتية السياسية لتلبية ضرورات ممارسة السلطة الملحّة في كافة المجالات، ومن الطبيعي أنّ هذا الانتقال من الخطاب السابق للخطاب اللاحق لن يكون سهلاً بل سيمرّ بمخاضاتٍ شديدة الوعورة، وأخذٍ وردٍ، يراوحان بين الأيديولوجيا والسياسة، ولئن استطاعت بعض الجماعات السيطرة على أفرادها كجماعة "الإخوان المسلمين" بحكم تنظيمها الهرمي المحكم، وبحكم أنّ أفرادها قد تخلّوا عبر بيعتهم للمرشد عن اجتهاداتهم الفقهية لصالح ما يراه وما يأمر به كما أشار لذلك بتفصيل محمد أحمد الراشد فإنّ الجماعات الأخرى وعلى رأسها التيارات السلفية لا تمتلك مثل هذه الطاعة المطلقة ولا التنظيم الهرمي بل تعتمد على اجتهادات متفرقة ستربك صفوفها بالتأكيد، ولكنّها مجتمعةً ستربك اجتهادات "الإخوان" الجديدة وستقارعها بقوّة في مضامين الخطاب الجديد وبنيته ومفرداته. قوّة وحضور السلفيين في تونس في تصاعد، ويكفي هنا استحضار الزيارة الأخيرة التي قام بها "وجدي غنيم" والجدل الذي أثاره هناك، وحضورهم في ليبيا واضح بكافة تشكلاتهم السلفية وتوجهاتهم التي تصل حدّ التناقض أحياناً، أما في مصر فالمشهد أكثر إثارةً، فالإخوان المسلمون لديهم عقود من الخبرة الانتخابية والسياسية حصلوا بها على الأغلبية أمّا السلفيّون الذين كانوا يحرّمون الانتخابات ويكفرون بالديموقراطية ولم يغيّروا موقفهم إلا قبل بضعة أشهرٍ معدودة إلا أنّهم على الرغم من ذلك حصلوا على 30 بالمئة من مقاعد البرلمان المصري الجديد وبدأ مشاهيرهم يؤذنون تحت قبّة البرلمان إلا أنّ الأكثر منهم لم يزل يحاول التأقلم مع العملية البرلمانية ودهاليزها والعملية السياسية وأبعادها ولم تتشكل رؤيتهم بعد ليعبّروا عن مواقف حاسمة تجاه القضايا الملحّة داخلياً وخارجياً، وربما لن يتأخر هذا طويلاً وحينها سينشأ صراع بينهم وبين الإخوان وغيرهم داخل البرلمان وخارجه ما سيكون بالتأكيد جزءاً مهماً ليرصده الباحثون. ثمة سؤال يلحّ في هذا السياق، وهو هل يمكن أن يكون السلفيّون الذين أصبحوا الكتلة الثانية في البرلمان بعد قرارٍ لم يتخذوه إلا منذ أشهرٍ قليلةٍ أكبر قوةً وأوسع انتشاراً في المستقبل بحيث يصبحون الكتلة الأكبر في أي انتخاباتٍ مقبلة؟ هذا وارد ويستحق المزيد من القراءة والتأمل قبل الإجابة. كذلك، فإنّ من مسببات ارتباك الباحثين الجدد في الحركات والتيارات الإسلامية أنّ كثيراً من المفكرين والمثقفين والسياسيين في بلدان الثورات الإسلامية الجديدة في العالم العربي بدأوا يتوقفون عن نقد هذه الحركات أو على الأقل أصبح نقدهم ليناً وناعماً بينما اختار البعض الآخر أن يلجأ للتقرب من هذه الجماعات، وهم يفعلون هذا إمّا خوفاً حيث بدأ يتفشى في مصر الإسلامية الجديدة وإمّا تلطيخ تاريخ بعض الرموز المصرية كنجيب محفوظ أو ملاحقة الفنّانين والفنّانات كعادل إمام وسمية الخشّاب قضائياً وإعلامياً، وأمّا من لانت مواقفهم وأصبحوا أكثر مراعاةٍ للواقع الجديد هناك، فيكفي استحضار نموذج الباحث سيد القمني، فمن يعرف الخطاب القديم لهذا الباحث ثمّ يشاهد مناظرته مع خالد الجندي، يعرف حجم التغير الذي يرمز له، وأمّا الذين لجأوا للتقرّب من هذه الجماعات بدافعٍ الرغبة، فقد دخل بعضهم من الداخل المصري البرلمان والبعض الآخر من الداخل والخارج يأمل بالحظوة لدى السلطة الإسلاموية الجديدة. إنّ غياب النقد الجادّ والمعرفي في المرحلة الحالية لخطاب هذه الجماعات ومفاهيمها الفكرية والدينية والسياسية لن يكون أقلّ إرباكاً للباحثين الجدد حول هذه الحركات من غياب النقد الجادّ لممارساتها السياسية، ولأي سلبيات ستقع فيها حتماً بحكم منطق التاريخ. ولئن كان "إريك هوفر" يرى أنّ الثورات لا تصنعها جماهير الفقراء والمعدمين بل الجماهير الحالمة وذات الخيال، ولئن كانت الأحزاب المنظمة قادرة على حصد مكاسب الثورات لحسابها كما فعل الحزب الشيوعي في الثورة الروسية، وهما جانبان يشبهان ما جرى في مصر على سبيل المثال حيث غابت جماهير "شباب التحرير" عن المشهد وبرز الإخوان المنظّمون والسلفيون، ومن هنا فإن المشهد العام والصراع على الجماهير سيتخذان لغةً أخرى ومبادئ جديدة وساحات مختلفة، وسيتجّهان ليكونا صراعاً إسلاموياً-إسلاموياً، إن بين الإخوان المسلمين والسلفيين بشكل عام وإن بين تفاصيل كلٍ منهما. سيتفاجأ الباحثون الجدد في الحركات الإسلاموية حين يكتشفون شيئاً من تاريخ التطرف الفكري والعنف المادي لدى الإخوان -على سبيل المثال- وذلك حين يعرفون أنّ مؤسس الجماعة أسس تنظيماً سرياً عسكرياً اسمه "التنظيم السري" أو "النظام الخاص" مهمته أن ينفذ التفجيرات ويقتل السياسيين ويغتال القضاة، وسيتفاجأون كذلك حين يعلمون أنّ التيارات السلفية كانت تحكم بحرمة الانتخابات والمظاهرات دينياً وكفر الديمقراطية برمّتها قبل بضعة أشهر. أخيراً، سيكتشف الباحثون الجدد وإنْ بعد لأيٍ أن مرشد الإخوان "محمد بديع" ليس "فولتير" التنوير الفرنسي، وأن المحامي السلفي "ممدوح إسماعيل" ليس "مونتسكيو" الحقوق.