بعد إعادة انتخابها على رأس الحزب الحاكم في كانبيرا، أصبحت رئيسة الوزراء الأسترالية جوليا جيلارد في موقع معنوي أقوى من ذي قبل، لاسيما بعد أن تخلّصت من منافسها الرئيسي "كيفن رود" الذي استقال من منصبه كوزير للشؤون الخارجية. وضمْن تعديل وزاري أجرته يوم الجمعة الماضي، أسندت جيلارد حقيبة الخارجية للسياسي العمالي "بوب كار"، متعهدة بمرحلة جديدة أكثر انسجاماً وجديةً في العمل الحكومي العام. لكن من هو "كار"؟ وما دلالة اختياره لوزارة الخارجية في الوقت الحالي تحديداً من التاريخ السياسي لأستراليا؟ يعد "كار" البالغ من العمر 64 عاماً، أحد أكثر الساسة نفوذاً في أستراليا، وهو صحفي قديم وعضو بالبرلمان، ورئيس سابق لوزراء ولاية "نيو ساوث ويلز" الأكثر سكاناً بين ولايات أستراليا الست، حيث أمضى عشر سنوات محطماً الرقم القياسي في البقاء على رأس الولاية. و"كار" المولود عام 1947 بمدينة "سيدني"، المركز الاقتصادي المشهور وعاصمة "نيو ساوث ويلز"، هو ابن لسائق قطارات، وقد نشأ في أسرة متوسطة الحال، وتلقى تعليمه في المدرسة العمومية للحي، وكان الأول على دفعته عام 1964. ثم درس في جامعة "نيو ساوث ويلز" وحصل منها على شهادة في تاريخ الفنون بأعلى تقدير أكاديمي. ثم عمل صحفياً في الإذاعة بين عامي 1969 و1971، لينضم إلى مجلة "البوليتين" حتى عام 1978. لكن "كار" اهتم بالسياسة مبكراً، فانتمى وهو بعد في الخامسة من عمره لـ"حزب العمال الأسترالي"، وأصبح أمينه العام على مستوى "نيو ساوث ويلز" عام 1970، ثم على المستوى الفيدرالي الأسترالي عام 1972، كما شغل عضوية اللجنة الفيدرالية للتعليم في الحزب بين عامي 1972 و1978. ويقول عن نفسه إن التجربة الإعلامية أثرت حياته السياسية، وإنه لم يتخل عن العمل الصحفي حتى عام 1983، حين تم انتخابه عضواً في البرلمان الفيدرالي ممثلاً عن دائرة "ماروبا" في "نيو ساوث ويلز". أما أول منصب تنفيذي يشغله فكان حقيبة تطوير السياحة والبيئة في حكومة "نيو ساوث ويلز" في ديسمبر 1984. وفي فبراير 1986 تسلم حقيبة حماية المستهلك، قبل أن يصبح وزيراً للمغتربين حين أصبح عمالي آخر هو "باري يونسورث" رئيساً للحكومة. لكن حكومة "يونسورث" أسقطتها الانتخابات البرلمانية في مارس 1988 لصالح الحزب الليبرالي الأسترالي، وعندئذ تزعم "كار" جناحاً رئيسياً في "حزب العمال" يدعو لدخول الحكومة الفيدرالية، وقيل إنه كان يطمح شخصياً لتولي وزارة الخارجية، لكن ذلك لم يحدث في حينه، وإن أصبح رئيساً ولائياً للحزب، فتزعم المعارضة وتبنى سياسة مناهضة لرئيس الوزراء الليبرالي "نيكي جرينر"، مركِّزاً بصفة خاصة على نقد سياسته "الضعيفة" و"المسرفة". وقبيل انتخابات عام 1991 توقعت استطلاعات الرأي أن يواجه العماليون تحديات كبيرة، لكن المفاجأة أنهم استطاعوا استعادة معظم الحقائب التي خسروها في الانتخابات السابقة، وإن لم يحققوا الأغلبية. وحينها سارع "جرينر" إلى تشكيل حكومة ائتلافية بالتحالف مع النواب البرلمانيين المستقلين. بيد أن حكومته لم تعش أكثر من بضعة أشهر، حيث اضطر للاستقالة بسبب اتهامات وجهتها له اللجنة المستقلة لمكافحة الفساد، فحل محله ليبرالي آخر هو "جون فاهي"، لكنه واجه مصاعب في التفاوض مع البرلمانيين المستقلين، وجراء ضغوطات المعارضة بقيادة "كار" الذي أطلق حملة ناجحة في انتخابات عام 1995، ليفوز بأغلبية مطلقة في البرلمان. وخلال ترؤسه الحكومة حقق نجاحات سهّلت له الفوز في انتخابات 1999 ثم في انتخابات 2003. وخلال عقد من السنين على رأس الحكومة، انتهج "كار" سياسة حذرة وقريبة من الوسط، وتبنى إدارة مالية أكثر ميلاً إلى التقشف وتقليل الإنفاق، كما اهتم بمشكلات الوسط البيئي وتنميته، وأنشأ العديد من الحدائق الوطنية على مستوى الولاية. بيد أن واقعة تحويل مقر الحكومة إلى متحف تحت إدارته، فجّرت جدلاً إعلامياً بلغ مستوى الفضيحة، مما اضطر "كار" للاستقالة من منصبه يوم 27 يوليو 2005، متخلياً عن مقعده البرلماني، ومعلناً تقاعده السياسي. لكنها على ما يبدو كانت مقدمة لدخوله الحكومة الفيدرالية، ومن بوابة "الخارجية" التي طمح إليها ذات يوم، ولو بعد 22 عاماً! وفيما يشبه الاعتذار الضمني عن قرار تقاعده السابق، قال "كار" يوم السبت الماضي: "عندما أتيحت لي فرصة القيام بخدمة عامة إضافية لم أتمكن من الرفض". وحين سئل عما إذا كان سيقوم بشيء مختلف عما فعله "رود"، قال: "لن أسمي أي شيء الآن"، لكنه أثنى على سلفه، مشيراً إلى أنه سيواصل مساعي "رود" لتمكين أستراليا من الفوز بعضوية مجلس الأمن الدولي. ولا شك أن تعيين "كار" إنما يمثل مكافأة على وقفته المهمة إلى جانب جيلار خلال المواجهة مع خصمها وزير الخارجية ورئيس الحكومة السابق "كيفن رود"، في الانتخابات الداخلية الأسبوع الماضي. وإذا كان رود الذي قدّم استقالته من منصبه كوزير للخارجية، الأسبوع الماضي من واشنطن، عقب هزيمته أمام جيلار، يعد مؤيداً للسياسة الأميركية وللتحالف بين كنبيرا وواشنطن، فإن "كار"، الزعيم المولع بقراءة التاريخ الأميركي، يعد من أشد المؤيدين لذلك التوجه. ولحسن حظه فإن أستراليا التي ظلت إلى وقت قريب، رغم مظاهر الاستقلال، خاضعة لهيمنة الحكومة البريطانية في لندن، أصبحت حالياً "الحليف" الذي تتسع "شراكته" وتتوطد مع واشنطن باطراد. وهو تحالف توجه الإعلان خلال زيارة أوباما لكنبيرا في نوفمبر الماضي، عن أكبر انتشار عسكري أميركي في أستراليا منذ الحرب العالمية الثانية، حيث تقرر إنشاء قاعدة لقوات "المارينز" الأميركي تضم 2500 جندي في مدينة "داروين" بالشمال الأسترالي. إن تأييد السياسة الأميركية الجديدة إزاء آسيا والمحيط الهادئ، رغم الاستياء الذي تثيره لدى الصين ذات القوة البحرية المتعاظمة، هو أحد الأوجه لسياسة أستراليا الخارجية التي لا خلاف عليها بين "رود" و"كار"، ولا حتى بين "الليبراليين" و"العمال"... بل يمثل انسجاماً "عمالياً" على وجه الخصوص مع واشنطن، كما أشارت جيلارد وهي تضم إلى حكومتها "بوب كار"! محمد ولد المنى