تناولت بالشرح والتعليق في عدة مقالات ومداخلات في هذه الصفحة خلال العام الماضي الحراك الثوري العربي الذي أفضل أن أطلق عليه تلك التسمية بدلاً من تسمية "الربيع العربي" أو "الثورات العربية" لعدم استيفاء المصطلحين للأبعاد العلمية لما يجري من حراك ثوري في بعض الدول التي شهدت ذلك الحراك. وقد علقت في مقالتين في هذه المساحة، نشرت أولاهما في ديسمبر من العام الماضي والثانية نُشرت قبل شهر، موضحاً أن ما يجري في الكويت هو "حراك كويتي... وليس عربيّاً"، وكان ذلك في سياق تحليلي للحراك السياسي الحاد الذي عرفته الكويت ونتائج انتخابات مجلس الأمة التي جرت في مطلع شهر فبراير الماضي، حيث بينتُ أنها وإن أتت نتائجها مطابقة لنتائج الانتخابات التي جرت في بلدان الحراك العربي مثل تونس ومصر وغيرهما من الدول التي عرفت فوزاً للإسلاميين، وعلى رغم أن نتائج الانتخابات البرلمانية في الكويت لم تشذ عن هذه النتائج بفوز الإسلاميين فيها هي أيضاً، إلا أن الوضع والسياق مختلفان تماماً. وفي الانتخابات الكويتية الأخيرة يبدو أن الحراك السياسي ونقاش المرشحين في حملاتهم الانتخابية، ومطالب الناخبين، وأطروحات القوى السياسية ومرشحيها والمستقلين، قد أثبتت بالفعل، مرة أخرى، ما ذهبت إليه (في مقالة ديسمبر 2011) حتى لو كان بعض الظواهر الخاصة والحراك العام ودور الشباب وحتى النتائج مما قد يوحي بأنه "ربيع عربي" في نسخته الكويتية. ولكن الواقع يؤكد أن ما يجري في الكويت هو أقرب إلى "ربيع كويتي" خاص وليس ربيعاً عربيّاً! وهذا ينطبق إلى حد كبير -مع استثناء للبحرين- على بقية دول مجلس التعاون الخليجي التي كانت الأقدر في التعامل مع موجة التحول العربي بسبب الشرعية التي تحظى بها أنظمتها بشكل عام، والعلاقة الوثيقة بين الأسر الحاكمة وشعوبها التي لا تشكك في شرعيتها، والحياة الكريمة ومستواها المتقدم والدخل المرتفع الذي يعيشه مواطنو دول المجلس، وإن كانت هناك أيضاً مطالبات محقة بالمزيد من الإصلاحات والحريات يطالب ويدفع بها حتى حكام دول مجلس التعاون الخليجي وشعوبه ومثقفوه على حد سواء. والشاهد أن دول مجلس التعاون الخليجي قادت الحراك والمبادرات العربية في دول التحول العربي وخاصة في البحرين واليمن وليبيا، وهي من تقود الحراك وتتصدر المواقف العربية والدولية في الشأن السوري منذ فترة. ودول الخليج العربية هي التي بادرت بسحب سفرائها من دمشق وطرد سفراء النظام السوري من عواصم دول المجلس. ودول مجلس التعاون الخليجي هي التي يبرز قادتها ووزراء خارجيتها في اجتماعات وزراء خارجية الدول العربية ومع المسؤولين الدوليين في مجلس الأمن كحال وزراء الخارجية السعودي والقطري والإماراتي والكويتي الذين عبروا بشكل واضح وقيادي ومسؤول ومطلوب أخلاقيّاً عن الانحياز للشعب السوري. وما أعلنه وزير الخارجية الكويتي الشيخ صباح الخالد الصباح في مجلس الأمة عن اجتماع بين وزراء دول مجلس التعاون الخليجي ووزير الخارجية الروسي في الرياض يوم الأربعاء القادم، لبحث الشأن السوري، يؤكد الدور القيادي الخليجي للطرف العربي في الشأن السوري. وفي الكويت التي تملك التجربة البرلمانية والمشاركة السياسية الأكثر تقدماً وصخباً في المنطقة يبدو تأثر السياسة والساسة الكويتيين، وخاصة أعضاء مجلس الأمة، بالحراك الثوري العربي وتجاه الثورة السورية بشكل خاص، واضحاً بل صارخاً إلى درجة أنه خطف الأضواء من الشؤون الداخلية والاشتباك الدائم بين مجلس الأمة والحكومة. ومع بدء انعقاد جلسات مجلس الأمة خلال الأسبوعين الماضيين طفت على السطح وبشكل ملفت للنظر ظاهرة كويتية صرفة لم نشهدها في الدول العربية الأخرى هي تأثير الحراك العربي وإلقاؤه بظلاله على المشهد السياسي الكويتي ولكن بطريقة مختلفة. فالتأثير لم يكن على الشعب الكويتي الذي لم يخرج مطالباً بتغيير النظام وإسقاطه، وخاصة أن النظام السياسي الكويتي يحظى بشرعية وشعبية وقبول من مختلف فئات وشرائح المجتمع والقوى السياسية الرئيسية في البلاد. ولكن تأثير الحراك العربي كان على نواب مجلس الأمة وعلى القوى السياسية ذات الأغلبية الإسلامية التي تشكل حوالي نصف أعضاء المجلس الجديد -وإذا أضفنا النواب الشعبيين المتحالفين مع الإسلاميين فإن نسبة الأغلبية البرلمانية في الكويت ترتفع إلى 70% من الأعضاء- وقد اشتبكت هذه الأغلبية مع الأقلية البرلمانية التي لا تريد أن يكون للكويت دور معادٍ للنظام السوري. وأقحم الشأنان السوري والبحريني في نقاشات نواب مجلس الأمة الكويتي بشكل لم يترك مجالاً للتأويل، وبفرز على خطوط صدع طائفي وسياسي. وقد خصص مجلس الأمة الكويتي جلستين صاخبتين في الأسبوع الماضي لمناقشة الشأن السوري خاصة. ودار نقاش متشنج سيطر على الحوار والمواجهات بين النواب الإسلاميين ونواب الأقلية وكانت الغلبة في النهاية لنواب الأغلبية من إسلاميين وحلفائهم بتقديم توصيات جريئة ومنحازة للشعب السوري في سابقة مهمة لمجلس الأمة الكويتي في الشأن الخارجي. ومن توصيات مجلس الأمة للحكومة الكويتية: قطع العلاقات الدبلوماسية بين الكويت والنظام السوري، ومحاكمة أركانه دوليّاً، والاعتراف بأغلبية ساحقة بالمجلس الوطني السوري كممثل شرعي للشعب السوري ودعم "الجيش السوري الحر" وتزويده بالسلاح. وبذلك يكون البرلمان الكويتي هو أول برلمان في العالم يقدم على هذه المواقف المتقدمة في الانحياز للشعب السوري. كما برزت مواقف نواب داخل مجلس الأمة منها تبرع ما لا يقل عن ثلاثة نواب كويتيين براتب شهر مارس للشعب السوري، وتبرع نائب آخر كسب قضية قضائية ضد نائب جديد بكامل المبلغ الذي كسبه من الدعوى وهو 20 ألف دينار كويتي أو 70 ألف دولار أميركي لصالح الشعب السوري. وكذلك قيام نائب إسلامي كذلك بتمزيق الدستور السوري الجديد بعد مداخلة علنية في مجلس الأمة والدوس عليه. وفي المجمل، فإن دول مجلس التعاون لم يؤثر الحراك العربي على شعوبها إلا بشكل عابر وربما قوّى ورفع أحياناً من سقف بعض المطالبات، ولكن بسبب شرعية الأنظمة ومناعتها لم يكن تأثيره بالحجم الذي ظنه البعض، بل لقد كان التأثير على أدوار وحضور ساسة دول مجلس التعاون الخليجي أكبر من تأثيره على شعوبها، حيث تحول ساسة دول المجلس إلى رأس الحربة التي تدعم الحراك الثوري العربي سياسيّاً وإعلاميّاً وجماهيريّاً، وفي حالة الكويت برلمانيّاً أيضاً. وفي المحصلة، فإن الحراك العربي أثر على أدوار ساسة دول الخليج في المقام الأول وليس على شعوبها.. وفي هذا تميز خليجي آخر!