"ملايين العراقيين مثلي أصبحوا يعتبرون واشنطن عدواً". هذا الكلام ليس لأحد من أتباع "الزرقاوي" أو لمتسلل من دولة مجاورة إلى العراق، أو لداعية إرهابي. إنه للرجل الشيعي البارز السيد محمد بحر العلوم الذي استعانت به أميركا لتعزيز صدقية مجلس الحكم السابق، والمعروف بعلاقته الحميمة معها، والذي أبيدت أسرته تقريباً لمعارضتها نظام صدام حسين وممارساته. فلماذا قال هذا الكلام؟ الذي يعتبر كلاماً من أهل البيت!
إنها الممارسات الأميركية الخاطئة في العراق. إنها سياسة إدارة الظهر للحلفاء والأصدقاء والزملاء والشركاء. إنها سياسة الحقد والتفرد والاستباحة دون تقدير العواقب. وبالتالي سياسة إغراق العراق في الفوضى وإحراج كل المقربين، وتعزيز وجهات نظر المعارضين وإبقاء أبواب الحروب مفتوحة. فقبل كلام السيد بحر العلوم، انتقد رئيس الحكومة العراقية المؤقتة إياد علاوي نفسه السياسات الأمنية الأميركية التي اعتمدت في العراق معتبراً إياها مسؤولة عما آلت إليه الأوضاع. كذلك فعل أحمد الجلبي الذي جلب الأميركيين إلى بغداد باعترافهم ولو اعترفوا أنه ضللهم بالمعلومات لكنهم كانوا يريدون الاحتلال كما يعلنون! وثمة عدد من أعضاء مجلس الحكم الانتقالي السابق، استقالوا استنكاراً للسياسات الأميركية، وأعضاء آخرون انتقدوها علناً، وأقروا بأن الحاكم الأميركي السابق لم يكن يستشيرهم. كذلك فعل الدكتور إبراهيم الجعفري نائب رئيس الجمهورية المؤقت، والسيدة رند رحيم سفيرة العراق في واشنطن.
أما السيد مقتدى الصدر فكلنا يتذكر أنه مع بداية الاحتلال لم يكن يدعو إلى مقاومة، وتحديداً إلى مقاومة عسكرية. الكل كان يبدي ارتياحه للتخلص من صدام. لكن الكل كان ينتظر ماذا سيفعل الأميركيون. وهكذا تصرف السيد محمد باقر الحكيم الذي اغتيل ولم يكشف عن القتلة رغم أن القوات الأميركية أعلنت يومها وبعد ساعات من الاغتيال أنها اعتقلت المنفذين وأنهم ينتمون إلى جهات معينة (سنية) بغية إثارة الفتنــــــة المذهبية! ثم اختفى الكلام عن الأمر وتبين أن الموقف الأميركي غير صحيح. وبعد السيد محمد جاء السيد عبدالعزيز الذي يحرص على العلاقة مع أميركا والحوار مع مسؤوليها ولا يدعو إلى المقاومة، لكنه انتقد الممارسات الأميركية.
أما في الجانب السني، فقد صدرت مواقف لعدد كبير من العلماء والشخصيات والمسؤولين من مواقعهم المختلفة تنتقد ممارسات قوات الاحتلال. وراحت المواقف من هنا وهناك تتصاعد وتصبح أكثر قسوة وحدة، عندما شعر العراقيون أن شعار الديمقراطية والتحرير والتغيير لم يكن سوى غطاء لاستهداف أبعد وأخطر. فمن ممارسات الجنود الأميركيين في السجون، وتحديداً في سجن أبو غريب، إلى سرقة الأموال، وإعطاء العقود الكبرى للشركات الأميركية المدعومة من قبل نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني وغيره من المسؤولين الأميركيين، واكتشاف عدد من الفضائح فيها، إلى تدمير المؤسسات التربوية والجامعية، وطرد العلماء، إلى العبث بالآثار، وانتشار عمليات السلب والنهب والقتل والخطف بالرغم من وجود عشرات الألوف من الجنود الأميركيين وغيرهم، إلى اقتحام المنازل وترويع الناس وصولاً إلى القصف بالطائرات وجرف مناطق، وقتل جماعي للأبرياء، تماماً كما تفعل إسرائيل في الأراضي المحتلة ضد الفلسطينيين. كل ذلك جعل العراقيين، يدركون خطر الاحتلال، وممارساته ويشككون في صدقية الإدارة الأميركية ومندوبيها وحلفائها ومسؤوليها في العراق. خصوصاً بعد المعارك التي انطلقت من الفلوجة لتصل اليوم إلى النجف الأشرف فتهدد المقدسات!
إن الذين يقاومون قوات الاحتلال اليوم وينتقدون سياساتها هم من أقرب المقربين لها. فماذا يعني ذلك؟ ماذا يعني وصف السيد بحر العلوم القصف على النجف بـ"القصف الحاقد"، وقوله:"ليست هناك حكمة في ما يقوم به الأميركيون وعلاوي لأن نتائج ما يحدث لا يمكن التنبؤ بها". ويضيف:"إن قرار الاجتياح العسكري واللامبالاة دون مشورة أهل الحل والعقد قد يؤدي إلى وخامة العاقبة. إن العالم بدأ يناشدكم (مخاطباً علاوي) أخذ الأمور بالتروي والحذر. والخشية أن يكون وراء هذا الاندفاع تيار لا يريد الاستقرار لهذا البلد وللحكومة وللشعب العراقي الأمن والاستقرار"!
وما تعني دعوات قادة هيئة العلماء المسلمين المؤكدة:"أن كل العراقيين اليوم يدٌ واحدة على المحتل، إلى أن يوقف نزيف الدم ويخرج من أرضنا"؟! وماذا يعني قول الشيخ عبدالسلام الكبيسي عضو الهيئة أمام عدد من المتظاهـرين:"نقول للمحتل إن الحكام والخونة في متناول يدك لكن الشعب ليس في مقدورك أن تصل إليه وبالتالي لا يمكنك أن تقضي عليه". وماذا تعني الدعوات التي صدرت من داخل المؤتمر الوطني العراقي لوقف المجازر في النجف؟ والانسحابات من المؤتمر احتجاجاً عليها؟ وماذا تعني الفتاوى التي صدرت من أكثر من مرجعية دينية تحرِّم التعاطي مع المحتل في تدميره وقصفه للمناطق المقدسة في النجف الأشرف؟ وماذا تعني التناقضات في التصريحات والمواقف بين قادة وأركان الحكومة العراقية حول أسباب ما