كان من المصادفات، ذهابي إلى مصر خلال شهر فبراير المنقضي مرتين، والمشاركة في عدة مناسباتٍ ومقابلات. وقد دوَّنت ملاحظاتٍ كثيرةً آثرتُ –كما حدث من قبل- أن أَضمَّها إلى كتابي عن الثورات العربية. لكنّ تصريحاً لبوتين قبل خمسة أيام، دفعني لتقديم بعض الملاحظات السريعة عن المشهد المصري؛ وبخاصةٍ ما تعلَّق بالدلالات الاستراتيجية لما جرى ويجري. قال بوتين في إحدى المناسبات الانتخابية، وهو يعلّق على الوضع السوري بعد مؤتمر "أصدقاء سوريا" بتونس: مصر بلدٌ كبيرٌ ومهمٌّ وذو دور، إنما للأسف ما وجدْنا أحداً نتحدث إليه بمصر بعد التغيير فيها! وشكوى بوتين هذه، سواء أكانت محقةً أم لا، سبق أن سمعتُ مثيلاً لها قبل خمسة أشهر على لسان وزير الخارجية التركي؛ فقد قال شاكياً: كلما ذهبنا إلى مصر وجدْنا وزير خارجيةٍ جديداً، وبدأْنا الحديث معه من جديد! إنّ المثير للاهتمام في الوضْع المصري أنك بالفعل لا تجد طرفاً أو شخصاً تتحدث إليه في أيّ موضوعٍ يتعلق بالسياسة الخارجية! وهناك استثناءٌ بالطبع هو الدبلوماسيون والمختصون في وزارة الخارجية، والعاملون في المركز الاستراتيجي للأهرام. لكنّ هذا الصديقَ أو الخبير عندما يبدأ بالحديث يحتاط لذلك بأمرين: أنّ الحديث ينبغي أن يبقى بيننا، وأنّ ما يقوله تعبيرٌ عن رأْيٍ شخصيّْ، وليس توجُّهاً أو سياسة عامة! فهناك انفكاكٌ أو شبه انفكاك بين المجلس العسكري، ووزارة الخارجية، والجهات السياسية الطالعة الآن عبر الانتخابات. وقد يكون من السابق لأوانه بالفعل الحديث عن توجُّهاتٍ أو سياساتٍ لمصر ما بعد مبارك، وقبل اكتمال عقد الرئاسات والسلطات. إنما هناك أمران يثيران الحيرة؛ أولهما يتعلَّق بالثوابت، وثانيهما يتعلَّقُ بالأوضاع الراهنة في العالم العربي. فالمصريُّ، السياسيُّ أو الكاتب، يشعر بوطأة الحريات الجديدة، بحيث يتردد كثيراً حتّى عندما يتعلق الأمر ببديهياتٍ بشأن دور مصر في محيطها الجغرافي والجيوسياسي، مثل السودان ودول حوض النيل والبحر الأحمر والقرن الإفريقي وفلسطين وإسرائيل وما يجري في سوريا والعراق ومشكلات اليمن وأمن الخليج والصراع الأميركي الإيراني والخليجي الإيراني. ويتحمس العربي القادم إلى مصر في العادة مُطالباً المصريين الذين يراهُم بأن تستعيد مصر على وجه السرعة دورها الذي ضاع في عهدي السادات ومبارك. لكنه لا يلقى الحماس الذي انتظره. ويتجرأ بعضهم بالتحدث عن الأعباء التي رافقت ذاك الامتداد أيام عبد الناصر، ثم يتنبَّهُ إلى أنّ كلامه قد يُفهم باعتباره تأييداً لسياسة الانكفاء المباركية، فيقول جازماً: طبعاًَ لا ينبغي العودة إلى سياسات الرئيس السابق الذليلة تجاه أميركا وإسرائيل، إنما من جهةٍ ثانيةٍ لا ينبغي تحميل مصر أكثر مما تحتمل. وعلى أيّ حال فإنّ الأمور تتَّسمُ بالسيولة حالياً، وهناك وقت وآليات جديدة لإعادة تحديد ثوابت مصر وسياساتها الخارجية، الإقليمية والدولية! وهكذا لا يفهم السائل شيئاً كثيراً أو كبيراً، ربما باستثناء أمرين: أنّ الموضوع الخارجي مهما كان تأثيره ليس أولويةً الآن، وأنه ما تقرر شيٌء بعد بشأن المحيط، والذي قد لا تتغير عمومياته ومبادئه عما كان عليه الأمر أيام السادات ومبارك، لأنّ حالة عبد الناصر كانت استثناءً لا يحسُنُ تكراره! بيد أنّ العجب يشتدُّ ويتضح إذا تعلَّق الحديث بالأوضاع الحالية بعد التغيير. فموقف مصر ما كان واضحاً في الحَدَث الليبي. والأصدقاء العاديُّون يذكرون أنّ مصر كانت محرجةً لوجود المليون ونصف المليون مصري بليبيا، بينما يقول آخرون إنه كان لمصر دورٌ خطيرٌ إنما لا يمكن الحديث عنه. أمّا الموضوع السوري، فحدِّثْ ولا حرج. فالشبان المدنيون يريدون أن يسقط النظام، لكنهم يرون أنّ عندهم أَولويات تحول دون الاهتمام الزائد بسوريا أو غيرها. وعندما تذكر لأحد الخبراء التناقُضات أو التفاوُتات في الموقف المصري من اجتماعٍ إلى اجتماع، ينصرف للشكوى من الخليجيين أو القطريين وأخيراً السعوديين، وأنهم لا يتشاورون بما فيه الكفاية مع مصر؛ بل حتى الأمين العام للجامعة العربية -وهو مصري- لا يُنسِّقُ مع السلطات كثيراً فيما هو معروضٌ عليه! وقد ذكرتُ لأحد الخبراء المؤثّرين تصريحَي أوغلو وبوتين، فقال لي في شبه نرفزة: لا ينبغي تصديق هذا الكلام، وإنما قالا ما قالاه، لأنهما يريدان استتباع مصر لسياساتهما غير المقنعة. ومن ناحيةٍ أُخرى فإنّ البعضَ يَرَون -كما قال– أنّ الحماس الزائد للثورة أو النظام قد مضى أوانه، ولا ينبغي تجاوُزُ المبادرة العربية حتّى لو قيل إنها فشلت بسبب عنف النظام، لأننا لا نريد التدخُّل في شؤون الدول الأُخرى، سواء أكانت عربية أم غير عربية! ومع ذلك فإننا في مؤتمر تونس شكّلْنا موقفاً فيه عدةُ دول منها تونس والجزائر وتركيا وحتى فرنسا وألمانيا وبريطانيا، وهو موقف تضمّنه البيان الختامي واختلف معه وزير الخارجية السعودي. وعلينا أن نعترف أنّ ذاك الموقف لن يجتذب روسيا والصين إليه، ولن يفيد الثورة في المدى القصير، لكنه بالتأكيد لا يخدم النظام! أمّا بالنسبة للقمة في بغداد؛ فالمصريون الذين أعرفُهُم متحيرون بشأْنها، والذين يرون فائدةً فيها يحصرونها في إبقاء العراق ضمن العالم العربي. وهذا الفتور في الموقف تجاه القمة، يتناول أيضاً الصراع الخليجي مع إيران على سوريا وعلى مواضيع أُخرى تتعلق بأمن الخليج. فمصر -في أحاديث الأصدقاء- معنية بأمْن الخليج، لكنها لا ترى فائدةً في الوقوف مع إيران أو ضِدَّها، وإنما ينبغي نُصْح الجميع (عرباً وإيرانيين) بالهدوء وعدم الاندفاع إلى صراعاتٍ لا من أجل سورية ولا من أجل إسرائيل. وخُلاصة الأمر أنّ المصريين معنيون بالدرجة الأولى بالشؤون الداخلية، التي يتحدث كلُّ فريقٍ ساعاتٍ عنها دون أن يملّ، أمّا الموضوعات الخارجية فمؤجَّلةٌ أو غائبة. وإذا ذكرتَ لهم مسألة الجمعيات الأهلية والخلاف عليها مع الأميركيين؛ ينصرفون إلى إنشائيةٍ طويلة في شتم الولايات المتحدة وعلائقها بالنظام السابق، لكنهم من جهةٍ ثانيةٍ لا يدرون سبباً لإثارة هذا الموضوع الآن! هناك إذن تركيزٌ على الموضوع الداخلي الذي يتخذ أَولويةً مطلقة. واللافت أنّ المصريين يملكون انحيازاتٍ قوية تجاه كلِّ تفصيلٍ في المشهد الداخلي. أمّا في الموضوع العربي والدولي، فليس هناك خلافٌ تقريباً، وإنما إجماعٌ على ثانويته وعلى أنّ العرب ما تركوا لمصر دوراً أيام مبارك، وهم لايزالون على الشاكلة ذاتها الآن! فالاستغراب ليس من عدم الاهتمام أو قلّته، وإنما من اختلاق الأعذار أو الإعراض التامّ، مما يدفع للقول إنّ الوعي المصريَّ مختلفٌ الآن في ظروفه الجديدة. وهناك أمرٌ آخر يتحدث فيه القادمون إلى مصر، وبشيء من الخجل والاستغراب في الوقت ذاته: إنه العروبة بالمعنى الثقافي، والعروبة بالمعنى الجيوسياسي. فالأجانب هم الذين تحدثوا عن "الربيع العربي" أمّا المصريون فلا يرون غير "الثورة المصرية"، وإذا كانوا كراماً ذكروا تونس. والخبراء هؤلاء يتحدثون ليس عن ثوابت عربية أو مصرية؛ بل يتحدثون عن مصالح لمصر باتجاه ليبيا وتونس، وأُخرى باتجاه السودان ودول حوض النيل؛ ومرةً أُخرى فهم يؤكّدون على عدم التشابه مع سياسات مبارك القاصرة والمنكفئة، لكنهم يصمتون عندما تذكر لهم المشرق العربي وفلسطين والدور المصري، ثم يقطعون الصمْتَ بالحديث ثانيةً عن الأعباء، وأنّ كامب ديفيد والتفكير فيها ليس هذا أوانه، وهكذا قد تضطر للاعتذار بأنّ هذا ليس ما قصدْتَهُ، فيتغيَّر الحديث. ومرةً أُخرى وثانية وثالثة فإنّ الموقف بمصر يتّسم بالسيولة الشديدة، لكنّ المصريين الذين نعرفُهُم، ما تغيرت وجهات نظرهم كثيراً بين العهدين في الموضوع العربي، وإن زادت شكواهم من العرب بعد مبارك باعتبارهم ضمن المسؤولين عمّا حدث لمصر طوال الثلاثين عاماً الماضية! في كل تجارب الحراك العربية، نجد "مجانين" يريدون مدَّ تجربتهم باتجاه المحيط العربي الأَوسع؛ وذلك باستثناء مصر. فالمصريون الذين يؤمنون بفرادة ثورتهم وتجربتهم، لا يملكون هذا الطموح ولا يهتمون بالامتداد، وهذا أمرٌ لا يمكن إعادتُه لا إلى السيولة ولا إلى الجمود!