المسوغات الأخلاقية لتسليح السوريين الساعين إلى نيل حريتهم أضحت قوية ومتعددة. فالعالم نادراً ما شهد مثل هذه الشجاعة والجلد وضبط النفس، إذ رغم حملة القمع الشعواء التي يشنها نظام الأسد، فإن السوريين الشجعان واصلوا مقاومتهم المدنية طوال 11شهراً. ورغم الهجمات الممنهجة التي تشنها القوات المسلحة السورية والتي قتلت الآلاف وجرحت عشرات الآلاف، فإن المقاومة امتنعت حتى الأمس القريب عن حمل السلاح. ومما لا شك فيه أن تسليح السوريين الساعين وراء الحرية ستكون له تكاليفه؛ حيث سيصفه الأسد الذي سيلتحف العلم السوري بأنه تدخل خارجي. وستزيد جهوده الرامية إلى حشد السوريين دفاعاً عن السيادة الوطنية السورية من تقسيم مجتمع ممزق أصلاً. كما أن ذلك قد لا يحمل نظام الأسد على التنحي عن السلطة قريباً، غير أنه هو المطلوب وبشكل ملح، حالياً. فالقول إن الأسد فقد شرعيته وإن مصيره السقوط في نهاية المطاف، لا يمثل تطميناً كافياً. فكلما طال أمد هذا الصراع، ازداد عسكرةً. وكلما ازداد عسكرةً، أصبح مستقبل سوريا خاضعاً لإملاءات وإرادة من يملك أكبر كمية من الأسلحة، وليس من يحصل على أكبر عدد من الأصوات. لذلك، فمن أجل الحفاظ على الحياة البشرية ومستقبل ديمقراطي في سوريا، يتعين على نظام الأسد الرحيل. لكن لماذا مازال نظام الأسد في السلطة؟ لأنه يحظى بدعم الجيش السوري، والتجار ورجال الأعمال السنة (في دمشق وحلب)، والطائفة العلوية وأقليات أخرى (مثل المسيحيين والدروز). لذلك، يجب إقناع هذه المجموعات بضرورة الانفصال عن النظام والانضمام للمعارضة. على أن يتولى "المجلس الوطني السوري" قيادة هذا الجهد، لأن من شأن ذلك أن يساعد على توحيد المجلس الذي يعاني من انقسامات، وأن يزيد من مصداقيته داخل سوريا وإزاء المجتمع الدولي كقوة سياسية موحدة وعابرة للطوائف. وإذا كلل هذا الجهد بالنجاح، فإنه لن يُسقط الأسد فحسب وإنما سيساعد أيضاً على خلق سوريا ديمقراطية ومستقرة تشعر فيها كل الطوائف بالأمن والأمان وتسعى معاً لبناء مستقبل مشترك، لاسيما أن الشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الصحوة العربية في حاجة ماسة إلى نماذج للتعددية والتعاون العابرين للطوائف. كما أنه من شأن سوريا ديمقراطية أن تساعد على تفادي زعزعة استقرار العراق ولبنان المجاورين، واللذين يسعيان بطرق مختلفة إلى تقديم نموذجين ديمقراطيين للمنطقة. ولهذا الغرض، يتعين على الولايات المتحدة والجامعة العربية وتركيا وأوروبا أن تعمل عن كثب مع "المجلس الوطني السوري" على تطوير هذه المقاربة وتكرر رسالة المجلس علناً وسراً لهذه المجموعات الثلاث. - إلى الجيش السوري: إذا انفصلتم عن الأسد الآن ودعمتم المجلس، فسيكون لديكم دور في سوريا الجديدة، أما إذا لم تفعلوا فستتحملون مسؤولية الجرائم التي يرتكبها النظام من قبل المحاكم السورية والدولية. - إلى التجار ورجال الأعمال السنّة: إن الأسد مصيره السقوط، وكلما حدث ذلك بسرعة، كلما تسنى استئناف العلاقات التجارية المربحة مع التجار ورجال الأعمال الأتراك بسرعة (علما بأن حث الحكومة التركية للشركات التركية على أن تبعث بهذه الرسالة لنظيرتها السورية في المجالس الخاصة يمكن أن يكون مفيداً). - وإلى الأقليات المختلفة، ولاسيما العلويين: هناك أمن وأمان ودور ينتظركم في سوريا الجديدة إذا انفصلتم عن الأسد الآن، غير أنه سيكون من الصعب ضمان ذلك إذا لم تفعلوا. وأخيراً، يتعين على الولايات المتحدة تعبئة المجتمع الدولي حول مخطط ملموس لمساعدة سوريا ما بعد الأسد على إصلاح اقتصادها، وتحفيز نموها الاقتصادي، وتدريب شبابها على مهارات القرن الحادي والعشرين. كما يتعين على الشركات والمنظمات غير الحكومية والمؤسسات الخيرية والجامعة العربية وأوروبا وأميركا ألا تكتفي بالمشاركة في هذه الجهود فحسب، بل تقودها أيضاً. وهذا المخطط مطلوب الآن بشكل مستعجل لتشجيع الأعمدة الأساسية للنظام على الانفصال ودعم المجلس الوطني. وفي حال كللت هذه المبادرة بالنجاح، فإنها ستكون أفضل من تدخل عسكري على النموذج الليبي. فليبيا كانت حالة فريدة من نوعها؛ وقد قمنا وحلفاؤنا في "الناتو" بذلك التدخل لأننا كنا قادرين عليه. فعدد سكان ليبيا أقل من 6?5 مليون نسمة، وكان لديها جيش حرص القذافي على إبقائه ضعيفاً عن قصد؛ ومراكزها السكانية الكبيرة تقع على طول الساحل المتوسطي، ضمن نطاق تستطيع سفن "الناتو" وقواعده الجوية بلوغه. لاشيء من هذه الميزات موجود في الحالة السورية. وأي تدخل عسكري خارجي من شأنه أن ينتج خطاباً مؤداه أن القوى الغربية قامت مرة أخرى بإسقاط ديكتاتور عربي. والحال أن ثمة خطاً أفضل للشعب السوري والمنطقة والولايات المتحدة، ويتمثل في تولي المجلس الوطني السوري قيادة سوريا لإسقاط الطاغية. ومن أجل تقوية هذه الرسائل السياسية، يتعين علينا أن نبدأ الآن بحشد دعم دولي لتسليح السوريين الساعين إلى الحرية. ولهذا الغرض، سيتعين على الولايات المتحدة أن تتولى الزعامة حتى لا يصبح مثل هذا التسليح وسيلة لحرب بالوكالة في سوريا بين الدول الإقليمية المتنافسة، وحتى يسهم في بناء سوريا ديمقراطية ومستقرة تتسع لكل أبناء شعبها. ستيفان هادلي مستشار الأمن القومي السابق في إدارة بوش الابن ينشر بترتيب خاص مع خدمة "واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس"