مملكة البحرين، وبالرغم من صغر حجمها الجغرافي، كبيرة جداً بتجاربها وأخلاق أهلها. وكغيرها من دول الخليج لا يشعر الإنسان بغربة عند زيارتها. تُعد البحرين من الدول التي سبقت غيرها في الخليج في العلم والمعرفة والاقتصاد والفكر، فقد كانت رائدة في كل ذلك، وكانت منارة يُشد إليها الرحال للعمل والتعلم. كل ذلك لم يكن ليتحقق لولا أن قيادة البحرين نجحت في حراك التنمية. والشعب اختار اللحمة الوطنية على التشرذم الطائفي، لكن البعض لم يعجبه ذلك، فأراد أن تكون البحرين لبنان أخرى في منطقة الخليج العربي. دروس كثيرة نتعلمها نحن أهل الخليج العربي خصوصاً والعرب جميعاً من تجربة البحرين. وقد تأكدت من هذه الدروس خلال زيارتي الأسبوع الماضي للبحرين. من أهم هذه الدروس، تأتي قضية الأمن الاجتماعي أو التنمية الإنسانية الشاملة التي لا تفرق بين المواطنين، ولاتهمل منطقة جغرافية وتقدم غيرها. إن وجود العدالة الاجتماعية في المجتمع هو ما يضمن الولاء أولاً والاستقرار ثانياً. الدرس الثاني يتلخص في حرية التفكير والتعبير عن الفكر، ففي تجربة البحرين التاريخية رأينا المفكر الذي كان ماركسياً ثم تحول كي يصبح سلفياً، وكان المفكر الشيوعي الذي تحول مع الزمن إلى الفكر الخميني. حرية التفكير مسألة إنسانية خاصة بالبشر. أوليس الخالق سبحانه وتعالى من قال لنا: لا إكراه في الدين: "فكذلك الفكر لاتستطيع أن تجبر العقل الإنساني على تبنيه وهو غير مقتنع به. في مقابل حرية التدين والفكر، هناك حق للمجتمع على الإنسان، إن حريتك أيها الفرد تنتهي متى ما تعديت بها على حرية غيرك. في البحرين عاش اليهودي البحريني مع المسلم، وتعايش المسلم السُني مع المذهب الجعفري، ولم يكن الإنسان ليمز بين هذه الطوائف قبل الأحداث الأخيرة، فماذا جرى للتدين وحرية الفكر في البحرين؟ عندما تجاوز تدين البعض حدود مملكة البحرين وعبر الخليج العربي كي تكون العمائم هي من تحرك الشارع، فقد تجاوز أصحاب هذا الفكر حدود المنطق والسلامة. قال ملك البحرين حفظه الله في لقاء مع الإعلاميين حضرته الأسبوع الماضي: لا نفرق في البحرين بين الشيعي والسُني، لكن بعض الشيعة- وأكد الملك على هذه العبارة أكثر من مرة- بعض الشيعة قرر أن يكون مع غير حكومته، وتبنى فكراً جعله معول هدم لدولته ويتلقى تعليماته ودعمه من الخارج، هؤلاء هم من استغل بعض الأوضاع الداخلية ليعلن ثورة لكن من أجل من وعلى من. وهنا يأتي الأمن الثاني. مملكة البحرين طلبت من لجنة دولية دراسة واقع حقوق الإنسان في المملكة، جاء التقرير في أكثر من 600 صفحة، ومن شجاعة حكومة البحرين أنها نشرت هذا التقرير، فقد تفاجأت بنسخة منه في غرفتي في الفندق. التقرير أدان بعض ممارسات الحكومة، والتي بدأت في تعديل هذه الممارسات، وهي جادة في الإصلاح والتعامل مع المعارضة السلمية، فلماذا تستمر أعمال العنف في البحرين بالرغم من كل هذه الجهود؟ خلال زيارتي الأخيرة، تعرضت 3 مدارس حكومية لاعتداءات من قبل من يسمون أنفسهم بالثوار وهدفهم الحقيقي تدمير دولتهم. العقلاء والحكماء وقادة الفكر من أصحاب المذهب الجعفري في الخليج والعراق، ينبغي عليهم الإعلان بكل صراحة عن أن ولاءهم لمجتمعهم العربي وليس للتاريخ الفارسي والمذهب الجعفري، ينبغي أن يعيد مرجعيته الفقهية إلى المنطقة العربية كي يسلم الإسلام من الاستغلال السياسي المدعوم بالمال الخارجي.