منذ أيام تم انعقاد مؤتمر في دبي لـ"عربسات" المؤسسة الأنموذج في العمل العربي المشترك. ولقد تمحورت النقاشات، خلال هذا المؤتمر، حول التطورات التقنية وكيفية الاستفادة منها رغم أن العمل المشترك اليوم في أدنى مستوياته للأسف لكنه يبقى ضرورة وضمانة مهما تبدلّت المعطيات وتغيّرت الظروف والحسابات والسياسات هنا وهناك. وإذا تحدثنا عن ثورات وأحداث في دولنا العربية أو في دول أخرى، من الناحية السياسية، وإذا حصرنا نقاشنا في الجانب التقني فحسب، فنحن أمام واقع واحد ثابت ونتيجة واحدة راسخة تعبّر عن الحقيقة. نشاهد على بعض شاشات القنوات الفضائية العربية إشارات أو ملاحظات أو دعوات للمشاهدين للانتقال إلى موجات معينة لأن المحطات المعنية تتعرض لتشويش. والتشويش كان أحد أهم المواضيع التي أشير إليها في مؤتمر "عربسات". الحقيقة التي ينبغي الوقوف عندها للاستفادة من مدلولاتها، هي: إن التكنولوجيا المستخدمة للبث أو للتشويش أو للتنصت، هي تكنولوجيا. لم تكتشف، لم تخترع، لم توضع في العمل بشكل حصري لمصلحة فريق دون آخر. الكل بإمكانه استخدام التكنولوجيا، وصحيح أن ذلك يحتاج إلى إمكانات مالية، لكن الذي يخطط لأمر ما ودور ما، وحضور ما، وخوض معركة ما، أو حرب ما، يجب أن يكون قد أمن الإمكانات المطلوبة، أو سيسعى إلى ذلك. وبالتالي لا يستطيع أحد أن يدّعي القدرة على احتكار مثل هذا الأمر. بالتأكيد لا نتحدث في هذا الإطار، عن سباق التسلح في الفضاء أو أعماق البحار، فمسائل من هذا النوع تظل محصورة بدول كبرى تملك إمكانات هائلة، لكن في الأحداث الكبرى، نجد أن لهذه الدول تأثيراً. وبالتالي بإمكان القوى المعنية بالصراع أن تستند إليها في سياق تبادل المصالح. بمعنى أن الأبواب ليست موصدة بالمطلق أو بالكامل أمام أي فريق للاستفادة من التطورات التقنية. عندما وقع العمل الإرهابي في الحادي عشر من سبتمبر ضد الولايات المتحدة الأميركية كانت ثمة إشارة واضحة على ما نقول، لقد استخدم المنفذون التكنولوجيا ذاتها التي يستخدمها المستهدفون. اليوم، في موضوع الإعلام وتناوله نجد أحداثاً وقعت وتقع، في تونس ومصر وليبيا وسوريا خصوصاً في الأشهر والأيام الأخيرة، تعرضت محطات للتشويش. والهدف واضح، منع كشف الخبر، وحجب الحقيقة والصور، وبالتالي استُخدم الإعلام في هذا الاتجاه أو ذاك سلاحاً في المعركة. لكن ثبت للجميع أن العصر الحالي ليس عصر حصار الأفكار والإرادات والمبادرات والطاقات والإمكانات والتحركات والاضرابات والمظاهرات والثورات. لا يمكن لأحد أن ينجح في ذلك، محمد بوعزيزي أحرق نفسه في تونس وهو رجل فقير متواضع، صورته هزت العالم وحركت المشاعر والجماهير وحدث ما حدث هناك. وفي مصر، بدأت التحركات على مواقع الاتصال الإلكترونية، وانتشرت الوقائع والمعلومات والدعوات إلى التعبئة في أوساط الناس انطلاقاً من جهاز الهاتف الخلوي أو الكاميرات البدائية. أو مواقع الاتصال الأخرى. وفي سوريا، رغم منع الإعلاميين من الدخول ومتابعة الوقائع استطاع الناس إيصال آرائهم ومواقفهم ومعلوماتهم ومشاهداتهم وصورهم إلى الفضائيات من خلال هذه الوسائل العادية جداً. ماذا يعني ذلك؟ يعني أمرين، الأول أن إمكانية التشويش ليست حكراً على فريق. ويمكن للفريق الآخر أن يشوش على الأول. تشويش من هنا وتشويش من هناك، وكلها أمور تؤدي إلى حجب الحقائق لوقت ما عن الكل، ولا يخدم أحد من هذا الكل! وتشويش بتقنيات عالية لا ينجح في إخفاء الحقائق لأن التقنيات العادية سهلت التغطية. والأمر الثاني ثمة استحالة في اللجوء إلى حجب القمر أو "تغطية" القمر لمنع تغطية الخبر! بين القمر والخبر اليوم علاقة استثنائية واسعة شاملة كل الناس والشعوب والدول والأمم، والذين يحاولون التشويش أو تعطيل قمر لمنع تسرّب خبر مخطئون واهمون. فالتلازم قائم بين الحرية والتقنية والإرادة والإدارة. الإرادة تتجه نحو مزيد من الحرية. التقنية هي الوسيلة، والإدارة هي الخطة والأسلوب. ولذلك، إذا انزعج أحدهم من دور الإعلام في كشف الحقائق، واستمر في لعبة القمع والمنع بوسائل مختلفة، وإذا اعتبر أن المسؤولية هي على "القمر"، الذي يمنح الفضائيات والمحطات الإعلامية فرصة البث، فهو مخطىء. المسؤولية ليست على القمر الصناعي، المسؤولية تقع على البشر. على مَن بالقتل أمر، وبالحقد قلبه اعتمر، وتقع المسؤولية أيضاً على من يريد منع الصورة والخبر وعلى جثث الأبرياء عبر، ولا يريد استخلاص الدروس والعبر. تحية إلى الإعلاميين الناشطين والمواطنين المعلنين بشجاعة الصور المثبتة للخبر، وتحية خاصة إلى من قدم حياته، أو عانى ويعاني في سبيل الحرية وخدمة الناس وتكريس الحق والعدالة. غازي العريضي وزير الأشغال العامة والنقل اللبناني