كلما استمر التنافس الانتخابي بين المرشحين الجمهوريين وطال الصراع بينهم، انكشف عدم ارتياح ميت رومني في التعامل مع طبقة العمال الأميركيين من البيض وعدوانية منافسه ريك سانتوريم تجاه شريحة الطبقة الوسطى من خريجي الجامعات ممن يحملون مبادئ طبقة المهنيين الأميركيين. وهو انقسام لا يبشر بالخير بالنسبة للجمهوريين التواقين إلى تنصيب مرشح قادر على منافسة أوباما وانتزاع الرئاسة منه. ورغم فوز رومني في ولايات أريزونا وميتشجان يوم الثلاثاء الماضي، فإن ذلك لا يغير من طبيعة الصراع المحتدم داخل الحزب الجمهوري والذي يهدد بإضعافه. فقد كانت المحاولات التي بذلها رومني خلال حملته الانتخابية للتقرب من الرجل الأميركي البسيط في الشارع، والذي يمثل طبقة العمال من ذوي الياقات الزرقاء، الأصعب في مشواره الانتخابي والأكثر لفتاً للأنظار. فكيف يمكن لهذا المرشح فاحش الثراء، أن يتماهى مع انشغالات المواطن الأميركي البسيط، لذا بدت معاناة رومني واضحة في حديثه إلى الناس في الشارع وعدم ارتياحه للنقاشات العفوية التي يبادره بها الأميركيون خلال جولاته الانتخابية. وربما تكون هذه المرة الأولى منذ نيكسون التي يرى فيها الناخبون الحرج ينتاب مرشحاً وهو يختلط بالطبقات الدنيا للمجتمع. ورغم أن خلفية رومني الاجتماعية قد تفسر مشكلته في التعامل مع الجمهور، فلا أحد يستطيع التعرف بالتحديد إلى الأسباب الحقيقية، لتبقى جميع محاولات الفهم مجرد تكهنات. فربما يرجع ارتباكه الشديد إلى الأيام التي قضاها في فرنسا يدق على أبواب الفرنسيين لإقناعهم باعتناق عقيدته المرمونية، فخلف ذلك في ذهنه ذكريات سيئة في التعامل مع الجمهور. وبالطبع لم يساعده مشاوره المهني، كرجل أعمال ناجح معزول في مكتبه لا يختلط إلا قليلاً مع الناس العاديين الذين يحتاج إليهم اليوم. ومهما يكن الأمر، فلا شك أن لقاء رومني مع الناس تجربة مؤلمة بالنسبة له، يقاسي فيها شتى أصناف العنت الذي يبدو واضحاً عليه وهو يتحدث إلى الجمهور. لكن بالمقابل يبدو المرشح الآخر، ريك سانتوريم، عكس رومني تماماً، فهو لا يرتاح إلا مع شريحة العمال الأميركيين، شريطة أن يتم تحديد تلك الشريحة في طبقة العمال البيض ذوي المعتقدات الدينية المحافظة جداً والناقمين على كل من يمتلك ثروة في هذا البلد. وسانتوريم بهذا المعنى هو آخر منتجات الجناح اليميني المحافظ في الولايات المتحدة المنتقد لجميع الذنوب والخطايا، الحقيقية أو المتخيلة، للنخبة الليبرالية. بيد أنه وفي محاولته تدمير رومني في ميتشجان أضر بنفسه أكثر من أي شخص آخر وأثار حفيظة المهنيين الأميركيين من الطبقة الوسطى الذين سعى إلى شيطنتهم. والحقيقة أنه منذ أن انتقد ماكارثي الجيش الأميركي في الستينيات واتهمه بالتودد للشيوعيين، لم يرَ الأميركيون من يجاريه في التفاهة مثل سانتوريم الذي لم يجد ما يرمي به أوباما سوى العجرفة، لا لشيء إلا لأنه عبر عن رغبته في التحاق عدد أكبر من الشباب الأميركي بالجامعات، حيث انتقده قائلاً: "هناك رجال ونساء محترمون في أميركا يعملون بجد كل يوم ويصقلون مهاراتهم في الميدان، ولم يذهبوا أبداً إلى الجامعات لتُغسل أدمغتهم على يد أستاذ ليبرالي". ثم أضاف: "أفهم لماذا يريدكم أوباما الذهاب إلى الجامعات، إنه يسعى إلى تشكيلكم على صورته". لكن أوباما لم يقل قط إنه على جميع الأميركيين الالتحاق بالجامعة لدراسة الأدب والإنسانيات في إحدى الكليات، بل كانت فكرته أن فرص العمل المتوافرة حالياً ذات الإنتاجية العالية تطلب من العمال أكثر مما هم مؤهلون له اليوم، فهم مطالبون بالذهاب إلى الجامعات القريبة منهم وتعلم كيفية التعامل مع آلات معقدة تكلف ملايين الدولارات، وهذا التدريب الذي يتعين على العمال الخضوع له لتطوير أنفسهم لا علاقة له بالتخصصات الليبرالية "المتعجرفة" على حد قول سانتوريم، بل يؤهل العمال والمديرين والمشرفين على خطوط الإنتاج وغيرها من التخصصات ذات الأهمية القصوى لنجاح الصناعة الأميركية. غير أن سانتوريم يريد فقط إضفاء طابع الليبرالي المتعجرف والمتعالي على أوباما، ناسياً أنه بتقليله من أهمية الجامعات والتخرج منها كمؤسسات لتحقيق أحلام فئات واسعة من الشعب الأميركي، يكون قد أخل بدعائم أساسية تتجاوز النخبة الليبرالية في البلاد. ففي المدن والبلدات الأميركية المختلفة، هناك العديد من الجمعيات المهنية التي تضم الأطباء والمهندسين، كما العمال والمديرين، التي يرأسها الجمهوريون أنفسهم ممن تكونوا وتخرجوا من الجامعات والكليات المختلفة، وهم يشعرون بالولاء والانتماء لتلك المؤسسات التعليمية التي صنعت نجاحهم. هؤلاء الأشخاص ليسوا ليبراليين كما يحاول سانتوريم تصوريهم، بل من القاعدة الأساسية للحزب الجمهوري. ومع استمرار الحملة الانتخابية وتقدمها، تظهر بوضوح مشكلة سانتوريم مع قيم الحداثة، فنحن نعلم اليوم موقفه الفاتر من المدرسة، لاسيما أنه من الذين تمدرسوا في البيت، كما أن موقفه من العلم معروف لأنه ممن ينكرون ظاهرة الاحتباس الحراري ولا يعترف بها، وقد عبر عن اشمئزازه من مقولة كيندي بضرورة فصل الكنيسة عن الدولة... والمحصلة أنه إذا استمر هذا الخطاب غير العقلاني في تأطير الصراع الانتخابي، سيكون الحزب الجمهوري وليس سانتوريم الخاسر الأول. ـــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس"