في مواجهة نفق التحول العالمي المصيري الذي يمر منه العالم اليوم بعد اكتمال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، حيث تتوالى الأزمات العالمية الاقتصادية والسياسية بسرعة تتابُع قياسية، يبدو الفكر الاستراتيجي بكل ما يتضمنه من خيال سياسي وقدرة على استشراف المستقبل وقراءة عناوين المرحلة المقبلة، متجمداً ومشلولاً عند نقطة الصفر. هذا ما يذهب إليه المفكر الفرنسي فيليب بومار في كتابه الصادر مؤخراً تحت عنوان:"الفراغ الاستراتيجي"، الذي حاول فيه رسم ملامح وتعيين أسباب الفشل السياسي والتصوري العام الذي يعاني منه عالم اليوم، في لحظة من التاريخ تحتاج فيها الإنسانية إلى إعادة إنعاش ملكات التنبؤ والاستشراف، للخروج من ضيق الرؤى قصيرة وقاصرة النظر، والسياسات الضريرة، والاستغراق والانغلاق في مفردات الزمن الحاضر، بما حجب ويحجب فرص استخلاص دروس الماضي، ومحاولة التأثير إيجاباً في المستقبل. وفي البداية يقول الكاتب إن ما نراه اليوم من جنون الأسواق المالية، وانفلات وسائل الإعلام، ومحدودية هوامش تأثير وتدبير رجال السياسة، وردود الفعل العمياء أمام التحديات العالمية الجارفة، وغرق اقتصادات عالمية كبيرة في طوفان الديون السيادية، والتدافع المالي الطاحن، والهبَّات الشعبية العارمة في أكثر من منطقة من العالم، كلها تدل على أن عالم اليوم يرزح فعلاً في إسار فراغ استراتيجي، ولولا ذلك لكان التنبؤ بكل هذه التحديات قد وقع سلفاً، ولكان اتخاذ التدابير الكفيلة بالاستجابة لتحدياتها قد حصل فعلاً. ولكن كل هذه المشكلات الدولية وقعت فيما يشبه الصدفة، دون أن يتنبأ بها أحد من الخبراء والاستراتيجيين والساسة، وكأن أسبابها لم تكن محتشدة في الأفق، أو كأن أزمات وحركات اجتماعية عالمية كبرى بكل هذا الحجم والزخم يمكن أن تولد من إشاعة أو من فراغ أو من أسباب عرضية طارئة! والحال، يقول "بومار"، إن هذا الفراغ الاستراتيجي والفقر المدقع في ملكات الخيال السياسي والتخطيط الاستراتيجي بدأت أعراضه منذ نهاية الحرب الباردة، حيث وضعت معظم النخب السياسية في الدول الكبرى تقاليد التخطيط الاستراتيجي على الموقد الخلفي، ورهنت خياراتها وسياساتها لمنطق التكتيك والراهنية والحسابات اليومية الصغيرة القصيرة، وزادت هذا التوجه تفاقماً وتراكماً النزعات اللحظية في كل شيء، وطغيان السرعة في ثقافة العولمة، ومظاهر "المباشر" و"الآني" فيما تضخه وسائل الإعلام، ولهاث الإنسان عموماً في البلدان المتقدمة وراء مكابدات ودوامات يومه التي لا تترك له متنفساً ولا فرصة لإلقاء نظرة على أمسه القريب، أو التفكير في غده الآتي الوشيك. وكانت النتيجة على مقاس الأسباب: واقعاً عالميّاً من عدم اليقين، لم تعد فيه النماذج ولا الأيديولوجيات متصلة بالواقع، ولا ذات فاعلية في تفسيره واستقراء تعقيداته الراهنة وما بعد منعرجاته القريبة. وبعبارة شديدة الإيجاز، فقد ولد هذا الفراغ الاستراتيجي عالماً بدون بوصلة، مفتقراً إلى أية نماذج إرشادية تقود طريقه المحفوف بالمخاطر والتحديات نحو المستقبل. وفي سياق الفرشة النظرية لكتابه يستعرض "بومار" تطور الفكر الاستراتيجي، منذ المفكر الصيني القديم "سان تزي"، إلى الاستراتيجيين اليونان القدامى، وصولاً إلى المنظر البروسي الشهير كلاوزفيتش، وأخيراً المنظر الاستراتيجي الفرنسي الكبير -وغير المعروف تقريباً- "ديفيد جالولا" (1919- 1967)، ليصل الكاتب من كل ذلك إلى أن غياب مفكرين ومنظرين كبار الآن على هذه الشاكلة هو ما جعل همَّ النخب الدولية المؤثرة يقصر فعلاً دون طموح استشراف المستقبل، ويغرق في محاولة ترويض الحاضر. وهذا الغرق تحديداً هو الاسم الآخر للجهل، والعجز، وغياب التصورات الخلاقة، وهو بالمختصر المفيد ما يسميه "الفراغ الاستراتيجي"، الذي ترك الأبواب -والنوافذ- مشرعة أمام تفشي الإخفاق الاقتصادي، والجريمة الدولية، وتغول الشركات العسكرية الخاصة، وشبكات التهريب المالية، ولا حاجة للتذكير بأن عالماً ضريراً وعاجزاً على هذا النحو ليس في مقدوره طبعاً صناعة الاستقرار والازدهار على صعيد دولي، ولا تفادي توالي نشوب الأزمات وتفاقم المشكلات بشكل متواتر. وفي المجمل فإن الكاتب يحمِّل إخفاقات النخب السياسية والفكرية وضمور خيالها الاستراتيجي المسؤولية الأولى والأخيرة عن نشوب كل هذه الأزمات السياسية والاقتصادية الجارفة. والنتيجة هي تدمير كل المكاسب الاجتماعية والاقتصادية التي تحققت لبعض شعوب العالم المتقدم خاصة، ومخاطر استدامة أزمات العالم الثلاث الراهنة، الاجتماعية، والاقتصادية المالية، والطاقية، دون أن تكون هنالك نظم إنذار مبكر من نشوب أزمات أخرى أيضاً، لا لشيء إلا لأن من كان يفترض فيهم أن يأخذوا مسافة أمان من تفاصيل الواقع الحاضرة الصغيرة، ومفرداته ونثرياته، لرؤية المستقبل واستشرافه، كفوا عن ذلك ودخلوا في حالة عمى جماعي، متخلين عن دورهم الطليعي الذي كانت تعلقه عليهم مجتمعاتهم، ومن ورائها المجتمع الإنساني كله، واكتفوا من ذلك بمهمة تعداد جثث ضحايا أزمات الحاضر، ووصف أعراضها الماثلة، دون أن يكون في مقدورهم اقتراح حلول أو منافذ خروج، حتى بما هو متوافر لديهم الآن من تقاليد نظرية على رغم كل ما فيها من قصور في المناهج وقلة في النتائج. حسن ولد المختار الكتاب: الفراغ الاستراتيجي المؤلف: فيليب بومار الناشر: المركز الفرنسي للبحث العلمي تاريخ النشر: 2012