هل ما زالت أميركا القوة العالمية الأولى التي لا يشق لها غبار؟ وهل التكهنات الأخيرة بتراجع النفوذ الأميركي وصعود قوى أخرى على الساحة الدولية، مجرد تهويل غير مبني على أساس؟ إن الإجابة عن هذين السؤالين اللذين تناسلا في الآونة الأخيرة على ضوء المشاكل التي يمر بها العالم، يختلف بين السياسي والأكاديمي، بين المؤرخ ومحلل العلاقات الدولية. هذا التباين في تقييم المرحلة الأميركية الراهنة هو ما يعكسه الكتاب الذي نعرضه هنا لأستاذ العلاقات الدولية بجامعة بوسطن والدبلوماسي الأميركي السابق، أندرو باسفيتش، ومعه مجموعة من الأكاديميين المشاركين في تأليفه بعنوان "القرن الأميركي الوجيز... ما بعد النهاية". يبدأ الكاتب بعرض الآراء والمواقف المختلفة إزاء الوضع الأميركي على الساحة الدولية بين السياسيين ذوي المصالح الخاصة والأجندات الانتخابية المعروفة، مثل مرشحي الحزب الجمهوري الذين لا يفوتون فرصة للتأكيد على أن القرن المقبل سيكون قرناً أميركياً بامتياز، تحافظ فيه الولايات المتحدة على تفوقها وريادتها في الميادين كافة، بل إن أوباما نفسه أكد مؤخراً على بقاء أميركا القوة الأولى في العالم، نافياً أي مقولات حول انحسار النفوذ الأميركي. غير أن التصريحات السياسية، يقول مؤلفو الكتاب، تدخل في إطار دغدغة المشاعر بينما يسعى الأميركيون إلى خطاب يطمئنهم على مستقبل بلادهم، حتى وإن انطوى على الدعاية الانتخابية أكثر منه على الدراسة الموضوعية. لذا ينتقل بنا الكاتب إلى عرض رؤية الأكاديمي والمؤرخ التي يمثلها باعتبارها الأقدر على تقييم اللحظة الأميركية والإجابة عن سؤال القرن الأميركي، وقبل ذلك يرجع بنا إلى الوراء نابشاً في أركيولوجية العبارة "القرن الأميركي" في الأدبيات المختلفة، مرجعاً إياها إلى ما قبل الحرب العالمية الثانية وتحديداً إلى نسخة من مجلة "لايف" عام 1941 تضمنت مقالاً للكاتب "هنري لوس" يبشر فيها ببروز الولايات المتحدة كقوة كبرى على الساحة العالمية تحل مكان القوى التقليدية الأوروبية التي استنفدت أغراضها واستهلكت الحاجة إلى وجودها. وقد تنبأ "لوس" بانخراط أميركا في الحرب العالمية الثانية وخروجها منتصرة، وهو بالفعل ما حدث ليتكرس بذلك السلام الأميركي الذي خيم على العالم وظل على هذه الحال طيلة فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية إلى أن ترسخ أكثر مع انهيار الاتحاد السوفييتي وتحقق الرؤية. لكن لحظة الانتشاء لم تدم طويلاً بالنسبة لأميركا وجاءت ساعة الحساب كما يحددها الكاتب في الفترة بين 2006 و2008، فخلال هذه الفترة التي يعتبرها المؤلف منعرجاً فاصلاً أسدل فيه الستار على القرن الأميركي، شهدنا حدثين اثنين، الأول تبدي الإخفاق الأميركي في العراق والشرق الأوسط عموماً، بعد حملة بوش على العراق في 2003 على خلفية مقولات فكرية تحتفي بالانتصار الأميركي الأخير كما نظّر له مفكرون أميركيون مثل فوكوياما الذي أعلن انتصار النموذج الليبرالي، ثم أتى "المحافظون الجدد" في محاولة لتجسيد النظرية على أرض الواقع من خلال اختراق الشرق الأوسط وإعادة تشكيله. وكانت ذروة الانتشاء المزيف والكاذب، حسب قول الكاتب، تلك اللحظة المسرحية التي وقف فيها بوش أمام الكاميرات ليعلن بزهو "انتهاء المهمة". بعد سنوات من الانغماس في حرب العراق ومحاولة التحكم في الشرق الأوسط، وقبله الانخراط في أتون الحرب الأفغانية، أدركت الولايات المتحدة ومنظرو تفوقها الكاسح أنهم كانوا يكذبون على أنفسهم، وأن المنطقة ما زالت غارقة في سياستها القديمة المعادية لأميركيا والرافضة لقيم الليبرالية. لكن 2006، وهو عام انكشاف وهم القوة المطلقة، تضافر مع 2008 الذي هو عام انطلاق الأزمة الاقتصادية الخانقة وتحولها إلى أكبر ركود اقتصادي تشهده الولايات المتحدة، ليؤكد أفول حلم القرن الأميركي. وهنا يدعو المؤلف إلى توضيح الرؤية، حيث يتعين على الخبراء مصارحة السياسيين والرأي العام بالتصالح مع قرن قادم ستكون فيه أميركا قوة ضمن قوى أخرى وسيدخل العالم مرحلة من التعددية القطبية يحسن بالولايات المتحدة التعايش معها ودرء تحدياتها بدل مقاومتها والاستمرار في المكابرة غير المفيدة. زهير الكساب الكتاب: القرن الأميركي الوجيز... ما بعد النهاية المؤلف: أندرو باسفيتش الناشر: جامعة هارفارد تاريخ النشر: 2012