لا شك أن الهيكلية التي سار عليها نظام مجلس التعاون الخليجي، والقائمة على مبدأ التعاون والتقارب والعمل المشترك في مختلف المجالات، والتي مضى عليها حتى الآن إثنان وثلاثون عاماً، أصبحت اليوم دون الطموح، وذلك بفعل الزمن وعمليات التغيير والتحول الكبير الذي يجري في العالم، وعلى الأخص المخاطر الإقليمية والدولية التي تتهدد المنطقة وما يواجهها من تحديات مستقبلية. صحيح أن هذه التجربة لعبت دوراً محورياً في زيادة فاعلية التعاون والتقارب والعمل المشترك بين الدول الأعضاء، في مجالات العمل المختلفة، وبناء أسس سليمة تفتح المجال للوصول إلى الوحدة... وأنها كتجربة تعرضت على مدى السنوات الطويلة لأزمات ومحاولات من البعض للتشكيك في استمرارها. لكن رغم ذلك، فإن هذا المجلس استطاع بحكمة القادة الخليجيين وجهدهم المستمر، أن يجتاز تلك الصعاب والأزمات، وأن يستمر في عطائه حتى اليوم. بيد أن الحاجة أصبحت تتطلب القيام بخطوات أكثر فاعلية لتحقيق مزيد من التعاون والتقارب والتلاحم بين دول المجلس وشعوبه، وأعني بذلك أن تتحول تراكمات هذه التجربة ونجاحاتها في تطوير التعاون بين الدول الأعضاء، إلى عمل مشترك أقوى وأعمق رسوخاً، وأن نطور التجربة الخليجية ونأخذها بجد نحو مفهوم الاتحاد بما يعنيه مثل هذا المعنى. وحينئذ لن يكون من المهم كثيراً نوع الصياغة التي سيكون عليها هذا الاتحاد، بل الأهم هو أن تكون هناك استراتيجية متكاملة وفعالة تجمع الدول الأعضاء تحت سقف واحد وضمن نسيج خليجي متماسك، لاسيما في مجالات الاقتصاد والسياسة والاجتماع والتعليم والأمن والدفاع والثقافة... وأن تتوحد الجهود ويسعى الجميع إلى الاندماج والتكامل. فبدون ذلك قد تفقد الدول الأعضاء قدرتها كمنظومة خليجية على مواجهة التحديات والمخاطر. ولا شك أن خبرات السنوات السابقة للمجلس ستكون دافعاً قوياً لنجاح مثل هذه الخطوة المهمة، حيث كان "التعاون" الخليجي ولا يزال يمثل تجربة فريدة ومهمة في طريق الاتحاد. أما الاتحاد فسيكون تجديداً لروح التعاون، ونقلة كبيرة تتغير عبرها الكثير من معالم الحياة في المجتمع الخليجي، أو بالأحرى خطوة كبيرة على سلّم النهضة والتقدم. وبالاتحاد سوف يصبح لدول مجلس التعاون نظام سياسي ديناميكي تواجه به التحديات والمتطلبات المستقبلية، وثقل سياسي واقتصادي وعسكري ووزن كبير في الساحة الدولية. وإذا ما توحدت دول الخليج واستمرت في الاندماج والتكامل فستحدث حالة من النمو الكبير والواسع وستصبح بلدان الاتحاد الخليجي كتلة إقليمية مترابطة فيما بينها. إننا في الخليج بحاجة إلى منظومة خليجية لديها القدرة على معالجة مسألة التكامل فيما بيننا كدول وكشعوب ومؤسسات، ولن يكون ذلك إلا بتحقيق حالة من التماسك والتكامل والتفاعل فيما بيننا. لذلك يتعين السعي لتحقيق مثل هذا الاتحاد، ولا غنى عن أي جهة في سبيل تحققه، من المسؤولين ورجال الاقتصاد والموظفين والمثقفين والأكاديميين... إذ على كل مواطن خليجي أن يدرك مثل هذا الأمر وأن يعرف أن الوفاق والتلاحم والتقارب والتعاون والتفاعل والتكامل، هو العصب الأساسي لتقوية المنظومة الخليجية وتماسك نسيجها السياسي والاجتماعي والاقتصادي.