دخلت العلمانية على خط النهضة المعاصرة في أوروبا لتحييد الدين وإبعاده عن المجال السياسي، وقد تحقق من ذلك في ممارسة الواقع الشيء الكثير. وعندما سيطرت العلمانية على كل مناحي الحياة في المجتمع الأوروبي بوجه عام، وساد منهج الانفتاح على كل الأفكار الإنسانية من اليمين واليسار بكل درجاته المعتدلة والمتطرفة، ظن البعض أن في ذلك حلاً شاملاً للتخلص من حمولة الدين وتدخلاته في الشأن العام أو السياسي. ومع مرور الوقت شعر العلمانيون أنهم انتصروا على الدين في هذا الإطار إلا أنهم وقعوا في المحظور الذي كان يمارسه بعض أتباع الديانات من خلال التشدد والتطرف والتزمت في إكراه الآخرين على اتباع مبادئه. وجاء اليوم الذي يشكو فيه الغرب العلماني من تشدد علمانييه تجاه أي شيء أو رمز يدل على الدين أي دين، ويؤشر عليه سواء كان حجاباً أو صليباً أو غير ذلك وهو ما أدى إلى خرق واضح للتسامح الذي كانت العلمانية تفتخر به تجاه الأديان والأفكار والمعتقدات المخالفة جزئيّاً أو كليّاً للنهج العلماني الصرف، فكانت النتيجة تهميش الدين عن واقع الحياة على رغم أن المجتمعات الأوروبية لم تتبرأ من دينها البتة، فلا زالت أوروبا مسيحية بكل طوائفها وشرائحها الدينية المختلفة مثلها مثل أي دين آخر. وهذا الأمر هو ما حدا بالبارونة وارسي، الوزيرة في الحكومة البريطانية، لتقول إن بريطانيا تواجه خطر "التشدد العلماني" وهي تدعو إلى أن يلعب الدين دوراً أكبر في الحياة العامة وحذرت من تهميش الدين مطالبة بأن تكون أوروبا "أكثر ثقة في مسيحيتها". وتقول البارونة، وهي أيضاً رئيسة لحزب المحافظين، إن من الأمثلة على سيادة "العلمانية المتشددة" في المجتمع، أنه لا يمكن وضع رموز دينية في مباني الحكومة وأن على الدولة إلا المدارس الدينية. وهذه الدعوة تخرج من معقل المجتمع العلماني الذي بدأ نهجه في احتواء الآخر المختلف من أجل بناء سليم للمجتمع بكل أطيافه الفكرية والعقدية. فالعلمانية التي من مبادئها عدم الدخول مع الدين في صراع أيديولوجي يصعب الخروج من بينه بسلام اجتماعي، خاصة بعد أن نجحت في الفصل بين الدين والسياسة على مدى القرون الماضية، فالخوف الأكبر أن هذا التراجع بسبب موجات التشدد التي لا تخص بريطانيا وحدها وإنما ألمانيا وفرنسا وهولندا ودول أخرى، دخلت في هذه المعركة الخاسرة ابتداء، لأن ذلك قد يؤدي إلى تحويل العلمانية إلى دين بديل وهذا النهج لو تحقق فهو يعد قمة في التشدد الذي سيتم تحويله عبر البرلمانات إلى أن تشرع قوانين وأنظمة وفق ذلك لا تقل تطرفاً عما تعانيه مجتمعات العالم الثالث. إن اتخاذ عمليات الإقصاء منهجاً للتدخل في حياة الناس سواء من قبل العلمانيين أو غيرهم، فكريّاً أو عمليّاً، هو على النقيض من حقيقة العلمانية التي تفتخر بها أوروبا ولا زالت كذلك. فلو ترك تسيير دفة حياة الناس بيد أي متشدد، علمانيّاً كان أو دينيّاً، فإن المتضرر الأكبر هو المجتمع الذي يطعن في قلب سلمه الاجتماعي واستقراره العام. فالتشدد مذموم ومرفوض من كل الاتجاهات وهو من قبل العلمانيين أكثر رفضاً، لأنهم يدَّعون أنهم أصحاب الأفق الأوسع والفكر الأرحب والانفتاح الأكبر على المجتمع الإنساني كافة.