ماذا يعني أن يتولى "إسلاميون" السلطة في الدول العربية؟ هناك مظاهر متعددة عكستها الممارسة السياسية تتضمن إجابة أولية على هذا السؤال. من هذه المظاهر ما حدث في مصر مثلاً: أولاً، من خلال الحكم الذي صدر على الفنان الكوميدي عادل إمام بسجنه ثلاثة أشهر بحجة أنه أساء إلى الإسلام(؟) في أفلام ومسرحيات له انتقد فيها بعض سلوكهم (القفطان القصير واللحى الطويلة). ثانيّاً، من خلال الفتوى التي أصدرها الشيخ عبدالمنعم الشحات في الإسكندرية بعدم اعتبار ضحايا ملعب كرة القدم في بورسعيد شهداء، وذلك بحجة أن اللاعبين كانوا حسب قوله، بملابس غير شرعية (الملابس الرياضية) وأن المتفرجين كانوا يلهون وأنهم قتلوا بسبب اللهو وليس في سبيل الله، واللهو محرم، لأنه لا جهاد فيه ولا عبادة. ثالثاً، من خلال مبادرة أحد أعضاء مجلس الشعب المصري (ممدوح إسماعيل) إلى مقاطعة وقائع جلسة المجلس والأذان لصلاة العصر! مما أصاب الأعضاء بمن فيهم رئيس المجلس وهو من قادة حركة "الإخوان المسلمين"، بالدهشة. ومن هذه المظاهر أيضاً ما حدث في اليمن: أولاً: نشرت الكاتبة الروائية بشرى المقطري مقالاً بمناسبة مرور السنة الأولى على الثورة اليمنية، حذرت فيه من أن التيارات السلفية تحاول مصادرة الثورة باسم الدين. وكان الرد على المقال، تكفير الكاتبة والمطالبة بـ"إقامة الحدّ عليها"، أي حد التكفير.. وهو القتل! ثانيّاً: مبادرة هذه التيارات الدينية المتطرفة ذاتها إلى تكفير الرئيس السابق لجامعة صنعاء الدكتور عبدالعزيز المقالح بسبب إدلائه بآراء مناقضة لما يقول به قادة هذه التيارات. ومن هذه المظاهر كذلك ما حدث في جامعة منوية في تونس بشأن حق الطالبة في استعمال أو عدم استعمال الحجاب. فقد كان الحكم السابق "يفرض منع الحجاب" فإذا بقوى الإسلاميين الجدد تحاول "فرض الحجاب". ومن هذه المظاهر إعلان الرئيس السوداني إعداد مشروع دستور جديد للسودان يقوم على أساس الشريعة الإسلامية، ومن خلال هذا الإعلان يبدو البشير وكأنه يحاول قطع الطريق أمام الحركات الإسلامية المعارضة له، التي يقودها الترابي. وكان سبقه إلى هذا الإعلان رئيس المجلس الوطني الليبي مصطفى عبدالجليل، عندما قال "إن الشريعة الإسلامية ستكون المصدر الوحيد للتشريع في نظام الحكم الجديد في ليبيا". ولكن لا البشير ولا عبدالجليل أوضح ماذا يعني ذلك، وكيف سيكون، وعلى أي مذهب؟ إن هذه المظاهر، وسواها كثير، تثير علامات استفهام كبيرة لدى غير المسلمين من مواطني هذه الدول العربية. ومن علامات الاستفهام: هل تستبدل "الذمية" بالمواطنة؟ وماذا عن الحريات الدينية؟ وماذا عن المساواة بين المواطنين؟ وماذا؟ وماذا؟... الخ. لقد نظمت لقاءات ومؤتمرات وندوات عديدة في لبنان تحديداً، وفي العديد من الدول الأجنبية لبحث هذه الموضوعات. كما أبدت منظمات عالمية كنسية اهتماماً شديداً بانعكاسات واقع التحول العربي الراهن على أوضاع مسيحيي الشرق وعلى مستقبلهم وحضورهم ودورهم. من مجلس الكنائس العالمي في جنيف، إلى مؤسسة سانت إيجيديو في روما، مروراً بمجلس كنائس الشرق الأوسط في بيروت. ونظم الاتحاد الأوروبي أكثر من لقاء في بروكسل وفي بيروت، تناولت أساساً الدور الأوروبي لمساعدة مسيحيي الشرق في مواجهة المتغيرات التي تعصف بالشرق الأوسط. غير أن ثمة دراسات أوروبية وأميركية حول هذه المتغيرات تصب في اتجاه آخر. وربما في اتجاه معاكس. وتنطلق هذه الدراسات من تسجيل ملاحظة مهمة، هي أن نسبة الأعمال الإرهابية في الغرب التي تنسب إلى متطرفين إسلاميين، سجلت تراجعاً كبيراً. وأن هذه الظاهرة الإيجابية تتلازم مع واقع التحول العربي الحالي. إلا أن هذه الدراسات تؤكد أن التراجع في الأعمال الإرهابية لا يعود إلى إجراءات مكافحة الإرهاب، بقدر ما يعود إلى تبدل الأولويات لدى هؤلاء المتطرفين، إذ إنهم تحولوا إلى الداخل العربي للمشاركة في صناعة المتغيرات العربية التي تتوالى فصولاً، وتاليّاً للمشاركة في قطف ثمارها. وإذا كانت هذه الاستنتاجات صحيحة، فإن معنى ذلك حسب اجتهادات مراكز الدراسات والأبحاث في أوروبا والولايات المتحدة، أن المزيد من انشغال المتطرفين في حركات التغيير يعني المزيد من الانحسار والتراجع في نشاطاتهم، التي تأخذ في معظم الحالات أشكالاً عنفية أو إرهابية خارج العالم العربي. واستناداً إلى ذلك، تتبلور المعادلة التالية، التي مؤداها أن من مصلحة الأمن في الغرب انشغال المتطرفين الإسلاميين في شؤون الشرق. وأن عملية الانشغال -بمعنى الاهتمام- يمكن أن تتحول الى عملية "إشغال" بمعنى التشجيع على الاهتمام عن طريق توفير ظروف وفرص تحقق لهم نجاحات هنا أو هناك، تغريهم بالتحول إلى المسرح الداخلي وتصرفهم عن العمليات التي يقومون بها في الخارج. وقد تكون هذه المعادلة صحيحة على المدى القصير. وهو أمر مشكوك فيه على كل حال. إلا أنها معادلة مطعون في إمكانية نجاحها. ولكن حتى إذا تجاوزت المألوف وحققت نجاحاً لفترة ما، فإن هذا النجاح لابد أن يرتد سلباً ليس على مسيحيي الشرق وحدهم، بل إنه على المدى القريب سيلحق بالغرب، أمناً ومصالح، أفدح الأضرار. ومن هنا فإن من مصلحة مسيحيي الشرق التعاون مع مسلمي الشرق لمواجهة التطرف باعتباره ظاهرة استثنائية غير قابلة للاستمرار والحياة، مما يحافظ على وحدة النسيج الوطني على قاعدة ما أكدت عليه الوثائق الثلاث التي صدرت عن الأزهر الشريف حول مستقبل مصر، وحول إرادة الشعوب العربية، وحول الحريات الأساسية. فقد أرست هذه الوثائق الأسس العامة التي يؤدي العمل بها إلى تبديد القلق المسيحي دون حاجة إلى أي مساعدة من الخارج. ومن هذه الأسس مثلاً ما ورد في الوثيقة الأولى التي نصت على "دعم تأسيس الدولة الوطنية الدستورية الديمقراطية الحديثة، التي تعتمد على دستور ترتضيه الأمة، يفصل بين سلطات الدولة ومؤسساتها القانونية الحاكمة. ويحدد إطار الحكم، ويضمن الحقوق والواجبات لكل أفرادها على قدم المساواة، بحيث تكون سلطة التشريع فيها لنواب الشعب، بما يتوافق مع المفهوم الإسلامي الصحيح، حيث لم يعرف الإسلام لا في تشريعاته ولا في حضارته ولا تاريخه ما يعرف في الثقافات الأخرى بالدولة الدينية الكهنوتية التي تسلطت على الناس، وعانت منها البشرية في بعض مراحل التاريخ". ومنها أيضاً ما ورد في الوثيقة الثانية من التأكيد على أن "شرعية السلطة الحاكمة تعتمد من الوجهة الدينية والدستورية على رضا الشعوب، واختيارها الحر، بحيث تكون الأمة هي مصدر السلطات جميعاً، ومانحة الشرعية وسالبتها عند الضرورة". ومنها كذلك ما ورد في الوثيقة الثالثة التي قامت على أساس "التسليم بمشروعية التعدد ورعاية حق الاختلاف ووجوب مراعاة كل مواطن مشاعر الآخرين والمساواة بينهم على أساس متين من المواطنة والشراكة وتكافؤ الفرص في جميع الحقوق والواجبات". وعلى "رفض نزعات الإقصاء والتكفير، ورفض التوجهات التي تدين عقائد الآخرين ومحاولات التفتيش في ضمائر المؤمنين بهذه العقائد". وكذلك "على تجريم أي مظهر للإكراه في الدين أو الاضطهاد أو التمييز بسببه". في القرن التاسع عشر أثار الغرب ما يُعرف بـ"القضية الشرقية"، وطرح نفسه حامي "الأقليات" المسيحية في الشرق ومدافعاً عن حقوقها، من دون أن يطلب أي منها ذلك منه. وكان الغرب في ذلك الوقت يكافح في عقر داره المسيحية كعقيدة دينية ويرفع لواء العلمانية أساساً وحيداً للمجتمعات الغربية. وفي ذلك الوقت دفع مسيحيو الشرق ومسلموه ثمناً غالياً. وما حدث في القرن التاسع عشر لن يسمح له، لا مسيحيو الشرق ولا مسلموه، بأن يتكرر في القرن الحادي والعشرين.