في كتاب "أميركا وإمبريالية الجهل... السياسة الخارجية للولايات المتحدة منذ عام 1945"، والذي نعرضه هنا، يرسم "أندرو الكسندر"، الصحفي وكاتب العمود بصحيفة الـ"ديلي ميل" البريطانية، خريطة مفصلة للمسار الذي اتخذته السياسة الخارجية الأميركية طيلة القرن العشرين. وفيما يوحي عنوان الكتاب بأنه يغطي فقط تطورات السياسة الخارجية الأميركية منذ عام 1945، فإن المؤلف يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك العام في إطار تعقبه لجذور وأصول الأحدث التي صاغت الملامح الأساسية لتلك التطورات. وفي هذا الإطار يسلط الضوء على الحكومة والشعب الأميركيين في بدايات القرن العشرين، ويتطرق إلى مواقف الحكومات البريطانية والفرنسية والسوفييتية قبل عام 1939 وعلاقتها مع الحكومة الأميركية، والنزعة "الانعزالية" التي تبنتها أميركا خلال سنوات ما بين الحربين، رغم المحاولات التي بذلها روزفلت لإقناع الكونجرس بتبني سياسة أكثر انفتاحاً على الساحة الدولية والانضمام لعصبة الأمم. ويتطرق المؤلف إلى مواقف بريطانيا وفرنسا تجاه الاتحاد السوفييتي طيلة عقدي الثلاثينيات والأربعينيات، والتحذيرات العديدة التي وجهها المندوب السوفييتي بعصبة الأمم بشأن نزعة العسكرة المتصاعدة في ألمانيا النازية وتجاهل الحكومة البريطانية لها بل سعادتها بترك التوتر يتصاعد بين هتلر و"الـبلاشفة" على أمل أن يحول اهتمامه نحو الشرق، ويبتعد خطره بالتالي عن أوروبا الغربية. ويبين المؤلف ملابسات وتفاصيل الهجوم الذي شنه الأسطول الياباني على ميناء "بيرل هاربر" الأميركي والذي قررت الولايات المتحدة بعده دخول الحرب العالمية الثانية. ويكتب المؤلف عن عدم الثقة المتبادلة بين الولايات المتحدة وروسيا في سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية، ويوفّي الأسطورة التي كانت كثيراً ما تتردد حول "الخطر الأحمر" وتهديده للغرب حقها من التفنيد، فيقول إنه رغم أن الاتحاد السوفييتي كان مهتماً لدرجة البارانويا بأمنه فإن ذلك يمكن النظر إليه في إطار المساهمة الضخمة التي ساهم بها في الحرب العالمية الثانية، والأكلاف الرهيبة التي تحملها، والتي فاقت ما تحملته كافة الدول التي شاركت في الحرب ضد الفاشية والنازية. وتلك الأكلاف مقرونة بتعرض أراضيه للغزو الألماني مرتين خلال 27 عاماً، وعداء اليابان له، وإدراكه حقيقة أن بعض الحلفاء الذين خاضوا الحرب العالمية الثانية معه كانوا يتمنون في بدايتها هزيمته على يدي هتلر... كان من الطبيعي أن تجعله في مجملها متوجساً من الغرب مهتماً بأمنه لدرجة مرضية. ويقول المؤلف إن الأقاويل التي كانت تتردد في الغرب وفي الولايات المتحدة عن "الخطر الأحمر" واحتمالات الغزو السوفييتي لغرب أوروبا، كانت محض مبالغات وصلت لمرتبة الأساطير، وأن الاتحاد السوفييتي كان قد خرج من الحرب العالمية الثانية مثخناً بالجراح، ولم يكن لديه لا الموارد ولا الإرادة السياسية لخوض أي حرب أخرى كبيرة، وأن تلك الأساطير كلها ترجع إلى التقييم المنحاز والمتحامل لترومان حول الخطر السوفييتي، والذي لم يكن يستند على أي أدلة موثوقة. وفي هذا السياق يقول المؤلف إن سياسة ستالين كانت انعزالية لحد كبير، وكان مكتفياً بممارسة السيطرة على الدول التي وضعت تحت سيطرته وفقاً لاتفاقية "يالطا"، ولم يكن لديه الرغبة في نشر الشيوعية خارج الستار الحديدي. وفي الفصول الختامية يلخص المؤلف تاريخ التدخل الأميركي في الشرق الأوسط، ورغبة أميركا الدائمة في إحداث توازن بين الرغبة في تأمين مصادر النفط وحماية إسرائيل، والصعوبة التي واجهتها في ذلك نظراً للعداء التاريخي بين العرب والإسرائيليين. ويقول إن تلك السياسة مثلت العنصر الرئيسي في السياسة الخارجية الأميركية طيلة الحرب الباردة. ويثير المؤلف نقطة قد يختلف حولها كثيرون عندما يقول إنه وإن كانت الولايات المتحدة قد اضطرت أحياناً للعب دور "البلطجي"، فإنها كانت خلال ذلك بلطجياً حسن النية وليس بلطجياً شريراً، لأنها تؤمن منذ أيام ويلسون بواجبها في نشر الديمقراطية بين الأمم. وينهي المؤلف كتابه بالقول إن الولايات المتحدة، وعلى النقيض من كافة الدول الغربية، كانت قد خرجت من الحرب العالمية الثانية دون أضرار تذكر، وكانت صناعتها سليمة ولم تمس، وتعمل بكفاءة أكبر مما كانت عليه قبل الحرب، ما مكّنها من الهيمنة على العالم لمدة تتجاوز نصف قرن بعد الحرب العالمية الثانية، لكن تلك الهيمنة تواصلت حتى باتت أكبر وأوسع نطاقاً من قدرتها على التمدد، شأنها في ذلك شأن كافة الإمبراطوريات التي وصلت لأقصى درجات القوة عبر التاريخ فأعمتها الغطرسة عن رؤية الواقع والاعتراف به، لتجد نفسها على سكة الأفول. سعيد كامل الكتاب: أميركا وإمبريالية الجهل... السياسة الخارجية للولايات المتحدة منذ عام 1945 المؤلف: اندرو الكسندر الناشر: بايت باك للنشر تاريخ النشر: 2012