قامت إسرائيل مراراً وتكراراً بحث المجتمع الدولي على إيقاف برنامج إيران النووي وهددت بأنها ستفعل ذلك بنفسها إذا اقتضت الضرورة.
ترزح إيران تحت وطأة ضغوط هائلة تهدف إلى إرغامها على فتح برنامج الطاقة النووية لديها أمام عمليات التفتيش الدولية بغية تبديد الشكوك بأنها تحاول تصنيع أسلحة نووية· وتأتي تلك الضغوط في المقام الأول من الولايات المتحدة، لكنها تأتي أيضاً من الاتحاد الأوروبي، بل ومن روسيا.
في حالة الولايات المتحدة، هناك الهدف غير المعلن، لكن الواضح كل الوضوح، ويتمثل في حماية الاحتكار النووي الاسرائيلي ـ وهي في الحقيقة هيمنة إسرائيل النوويةـ في الشرق الأوسط· وإن التعبير عن انحياز واشنطن إلى مصلحة إسرائيل أوضح ما يكون في المجال النووي، ذلك أن الولايات المتحدة منذ عقد الستينيات تتعامى عن برنامج الأسلحة النووية الإسرائيلي الهائل، في حين أنها تكافح الانتشار النووي في كل أنحاء العالم· وتجري الآن إثارة ضجة كبيرة حول إمكانية حصول إيران على الأسلحة النووية، وهو ما يصفه بـ(السيناريو الكابوس) الكثير من أعضاء (اللوبي الإسرائيلي) والمسؤولون والمراكز الفكرية في العاصمة الأميركية· لا بل يجري أيضاً حث إدارة (بوش) على حرمان إيران من إمكانية الحصول على أي نوع من أنواع التكنولوجيا النووية، بل وعلى إغلاق منشآتها النووية المدنية ـ بما فيها محطة الطاقة النووية التي يجري إنشاؤها الآن بمساعدة الروس في منطقة بوشهر ـ وذلك بحجة أن البرنامج المدني النووي من الممكن أن يضع على المدى الطويل، كما يتصورون، أساسات برنامج عسكري.
وباستعانتها بقوتها ونفوذها الضخم، حاولت واشنطن أن تقنع روسيا بإيقاف نقل التكنولوجيا النووية المدنية إلى إيران· وقد يبدو أن الولايات المتحدة تجادل أيضاً في حق إيران في بناء منشآت الطاقة النووية!
واليوم، يقوم باستغلال مسألة الأسلحة النووية (المحافظون الجدد) وأصدقاء إسرائيل في إدارة بوش لتشويه سمعة إيران وإظهارها بمظهر الشرير ولفرض العزلة الدولية عليها باعتبارها (دولة مارقة)· ويجري شن هذه الحملة ضد إيران بالتزامن والتوازي مع الحملة الدعائية الموجهة ضد سوريا التي صوروها بصورة الدولة الراعية لـ(الارهاب) المعادي لإسرائيل، إذ أعلن البيت الأبيض تأييده لمشروع قانون (محاسبة سوريا)، الذي يروج له اللوبي اليهودي والمتطرفون من الطائفة المارونية؛ وإذا جرى التصويت لمصلحة إقرار مشروع القانون، المعروض الآن أمام الكونغرس الأميركي، فإن من شأنه أن يؤدي إلى فرض عقوبات اقتصادية ودبلوماسية صارمة على دمشق، ومن الممكن أيضاً أن يضع في دائرة الخطر اتفاق التعاون الذي تجري سوريا مفاوضات بشأنه مع الاتحاد الأوروبي·
ويشكل تأييد إدارة (بوش) لقانون (محاسبة سوريا) علامة بارزة أخرى في تراجع الولايات المتحدة عن أي دور لها يتمتع بالمصداقية كوسيط في الصراع العربي ـ الإسرائيلي.
وقد وصل فريق من المفتشين التابعين للوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى طهران في 2 أكتوبر الجاري، وذلك للقيام بمهمة استقصائية للتحقق مما إذا كان برنامج تخصيب اليورانيوم الإيراني يخفي طموحات نووية· وقد وجه القرار الصارم الذي تبنته هيئة محافظي الوكالة، في فيينا يوم 12 سبتمبر الماضي، دعوة إلى إيران للكشف عن كافة جوانب برنامجها النووي بحلول 31 أكتوبر الجاري· إن ذلك في حقيقة الأمر إنذار، إذ أن إيران مطالبة الآن بتقديم قائمة تفصيلية تكشف عن طبيعة ومنشأ كل القطع والمواد التي اشترتها من أجل برنامج تخصيب اليورانيوم· وتريد الوكالة الدولية للطاقة الذرية أيضاً من إيران التوقيع على البرتوكول الإضافي الملحق بمعاهدة عدم الانتشار النووي، وهو ما من شأنه أن يجيز إجراء عمليات تفتيش واسعة دون سابق إنذار في كافة المواقع النووية الإيرانية.
وإذا قام المدير العام للوكالة محمد البرادعي بإبلاغ هيئة المحافظين في اجتماعها المقبل المقرر عقده في 20 نوفمبر بأن إيران لم تقدم كافة المعلومات المطلوبة، فإن من المرجح أن تجري إحالة المسألة إلى مجلس الأمن الدولي· ومن الممكن أن يعقب ذلك فرض عقوبات على إيران، الأمر الذي سيؤدي إلى إثارة قلق المستثمرين الأجانب وتنفيرهم، بل وحتى إلى انهيار المفاوضات التجارية التي تجريها إيران مع الاتحاد الأوروبي.
وفي ضوء العقوبات التي عانى منها العراق على أيدي الأميركيين، يعتقد الكثيرون في إيران بأن على بلدهم أن يسعى إلى تطوير عنصر ردع نووي· غير أنه لا يوجد دليل واضح وذو شأن حتى الآن يؤكد أن الحكومة الإيرانية قد اتخذت في الحقيقة قراراً بذلك، بكل ما في ذلك من المخاطر الواضحة التي قد تنجم عنه· وتستند الانتقادات التي تستهدف النشاطات الإيرانية في الميدان النووي إلى التخمينات وتكتيكات الذعر، وليس إلى الأدلة الواقعية التي تؤكد أن إيران تعتزم فعلاً الحصول على سلاح نووي.
وعلى رغم ذلك، قامت إسرائيل مراراً وتكراراً بحث المجتمع الدولي على إيقاف برنامج إيران النووي وهددت بأنها ستفعل ذلك بنفسها إذا اقتضت الضرورة