من المتوقع أن يحظى المتنافسون الأميركيون في الانتخابات الرئاسية المقبلة، ممن يؤمنون بالعمل الجماعي التعددي ويفضلونه على مبدأ الضربات الاستباقية، ويدعون إلى ضرورة تبني الولايات المتحدة الأميركية سياسات متوازنة تجاه أزمة الشرق الأوسط، بدعم كبير من قبل الناخبين الأميركيين. ذلك هو ما أشارت إليه نتائج استطلاعين للرأي العام الأميركي· وكان قد تم اختيار ما يزيد على 1000 عينة عشوائية في كلا الاستطلاعين من الشرائح الاجتماعية الممثلة للناخبين الأميركيين على امتداد البلاد كلها. يذكر أن الاستطلاع الأول كان قد أجري لصالح جمعية السياسات الخارجية، ووجهت فيه أسئلة حول قضايا واسعة تتصل جميعها برأي الناخبين في الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة الأميركية على المستوى الدولي· وقد أجاب حوالى 90 في المئة من الذين تم استطلاع رأيهم بأن الولايات المتحدة الأميركية تعد صديقا خيرا للشعوب التي تتطلع للحرية واحترام حقوق الإنسان. وكانت تلك هي الصورة المثالية التي أرادها هؤلاء لبلادهم. على أن 60 في المئة من الذين استطلعت آراؤهم اعترفوا بأن >أميركا هي قوة إمبريالية تتصرف وفق هواها وبصرف النظر عن الرأي العام العالمي<.
وفي رد لهم على مجموعة أخرى من الأسئلة أجاب ثلثا الناخبين الأميركيين الذين شملهم الاستطلاع بأنهم يفضلون أن تتبنى بلادهم سياسات خارجية تنهج نهجا تعاونيا تعدديا مع بقية دول العالم والمؤسسات الدولية. وكان هذا هو موقف من استطلعت آراؤهم بشأن موقفهم من الحرب على العراق ورؤيتهم لموضوع السيطرة على خطر انتشار الأسلحة النووية. وبفارق 60 في المئة إلى 34 في المئة من جملة من استطلعت آراؤهم، أكد الناخبون أن الحاجة باتت أشد إلحاحا إلى الأمم المتحدة من أي وقت مضى في المسرح الدولي. أما أبرز نتيجة خرجت بها استطلاعات الرأي هذه فتتمثل في وجود نسبة ثابتة هي 2 إلى 1 بين الذين يرفضون النهج الأحادي الذي تتبناه السياسات الخارجية الأميركية في الوقت الحالي. وقد انعكس الرأي ذاته على موقف الناخبين الأميركيين من السياسات التي تتبناها إدارة بوش إزاء النزاع الإسرائيلي الفلسطيني. يذكر أن استطلاعا سابقا للرأي كان قد أشار إلى غلبة المناداة بضرورة أن تمارس الولايات المتحدة الأميركية ضغوطا على كلا الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني بغية وضع حد للنزاع والتوصل إلى تسوية سلمية له. كان ذلك هو رأي 77 في المئة ممن استطلعت آراؤهم. يشار إلى أن هذا الموقف يرتبط بجملة من الملاحظات المثيرة للاهتمام حول نتائج الاستطلاع المشار إليه آنفا. وقتها كان قد سئل الرأي العام الأميركي عن كيفية وصفه للسياسات الخارجية التي تتبناها إدارة بوش تجاه نزاع الشرق الأوسط. وسئل الذين شملهم الاستطلاع عما إذا كان في رأيهم أن الإدارة الحالية تنهج نهجا معتدلا أم تميل إلى أحد الجانبين الإسرائيلي أو الفلسطيني؟ فكانت إجابة 44.5 في المئة منهم أن واشنطن تميل إلى جانب إسرائيل وتفضلها على الفلسطينيين، بينما قال 2 في المئة منهم إن الإدارة تفضل الفلسطينيين على الإسرائيليين. أما الذين قالوا إن الإدارة تنهج نهجا معتدلا إزاء النزاع فكانت نسبتهم حوالى 34 في المئة. وعندما سئلوا عن رأيهم في الموقف الذي يجب أن تتخذه بلادهم تجاه النزاع، كانت نسبة الذين فضلوا أن تنحاز بلادهم إلى جانب إسرائيل لم تتجاوز 16 في المئة، مقابل 1 في المئة فقط قالوا إن على أميركا أن تنحاز لصالح فلسطين، قياسا إلى أغلبية 73 في المئة رأت ضرورة أن تنهج الإدارة نهجا معتدلا ومتوازنا تجاه طرفي النزاع.
صحيح أن هذه الدعوة للنهج الوسطي المعتدل ظلت تنمو في أوساط الرأي العام الأميركي منذ بضع سنوات، غير أنها لم تبرز بكل هذه القوة إلا من خلال الاستطلاعين الأخيرين. فعلى سبيل المثال كانت نسبة الداعين إلى هذا النهج المعتدل في السياسات الأميركية الشرق أوسطية خلال استطلاع الرأي العام الذي أجري في أبريل 1999 هي 56 في المئة، لترتفع في استطلاع شهر سبتمبر من العام نفسه إلى 61 في المئة. وفي شهر أبريل 2000 ارتفعت نسبة المنادين بتبني نهج وسطي معتدل في السياسات الخارجية إلى 71 في المئة، قبل أن تصل إلى معدلها الحالي في استطلاعات الرأي الأخيرة إلى 73 في المئة. هذا وقد عبر هذا التيار المتنامي في أوساط الناخبين الأميركيين عن رغبة صادقة في أن تنحو بلادهم نحوا أكثر اعتدالا تجاه ما ينشأ من نزاعات دولية. فحتى وقت قريب كانت نسبة الذين يحملون الفلسطينيين وحدهم مسؤولية تصاعد موجة العنف الذي تشهده الساحة الإسرائيلية الفلسطينية تفوق كثيرا نسبة الذين يحملون إسرائيل جزءا من المسؤولية، أما الآن فقد بلغت نسبة الذين يحملون المسؤولية لكلا الطرفين 69 في المئة من مجموع الذين استطلعت آراؤهم مؤخرا.