تقييم الإعلام العربي تصدّر نقاش الصحفيين العرب الذين جمعهم منتدى الإعلام العربي في دبي الأسبوع المنصرم، وكما كان متوقعاً ألقى الاستقطاب الحاد الذي يميز الساحة الإعلامية العربية بظلاله على فرص إدارة حوار جاد وحوله إلى اتهام واتهام مضاد، وبرز، وللأسف، استغلال موضوع المقابر الجماعية في العراق من قبل الصحافي عبدالباري عطوان، وهو الذي كان قد فاجأنا الأسبوع الماضي ومن خلال تليفزيون (أبوظبي) بتبنيه لنموذج الملا عمر، ولعل مواجهته الحادة مع الدكتور أحمد الربعي في إحدى الندوات عبرت عن حال الإعلام العربي ومزايداته وانعدام فرص النقاش العقلاني والصريح.
الإعلام العربي بحاجة إلى إعادة مراجعة استراتيجية تغلب المهنية والموضوعية على العاطفة والقوالب الجاهزة والجامدة، ولكن على ما يبدو حتى هذه البديهية الأساسية لم يتم الاتفاق عليها، وبحجة أن المرحلة حرجة والتحديات مصيرية والعدو متربص بالأمة يتحجج البعض بأن المرحلة مرحلة مواجهة، ولعل المتبنين لهذا الرأي يريدون التأجيل والتسويف بدلاً من مواجهة متطلبات الصحافة والإعلام الحديث والتي تتجاوز التقنيات الحديثة من مطابع ملونة وخدمة خبرية سريعة ومكاتب ومراسلين يغطون شتى أرجاء المعمورة.
ومثل هذا التيار ينقسم بين مجموعة انتهازية مرتزقة استفادت وتريد الاستفادة من التلاعب بالعواطف واستغلال العنتريات، ومثل هذه الصحافة حققت الكثير من الكسب المادي للقائمين عليها، وبين مجموعة أخرى تضم الإعلام الرسمي والحزبي والبعض الذي يؤمن حقاً بشعارات مرحلة سابقة وأسلوب ومصطلحات قديمة تريد للصحافة والإعلام أن تتجمد في إطار زمني لا يرتبط بالمرحلة الحالية وتحدياتها.
الصحافة العربية التي طالما عانت من هيمنة الحكومات والأحزاب ومراكز القوى بحاجة إلى جرعة قوية من المهنية والموضوعية وجرعة أخرى قوية من الحرية، ومن خلال تجربة العديد من الصحف والمجلات المهاجرة إلى الغرب لابد أن نشدد أن الحرية وحدها على ما يبدو غير كافية وبالتالي فإن المهنية والموضوعية أساسية، فوجود الحرية دون المهنية والموضوعية لم يمنع العديد من الصحف ورؤساء التحرير المعروفين من الدفاع عن الاستبداد وتلميع صورته، ولعل ارتباط العديد من هؤلاء بنظام الرئيس العراقي الهارب صدام حسين دليل على ذلك·
الإعلام العربي بحاجة إلى إعادة مراجعة وتجربته في تغطية الحرب على العراق، وعلى رغم النجاح التقني، إلا أنها تجربة عانت من تغليب العاطفة على التحليل المتوازن، وفي العديد من منعطفات الحرب كان الإعلام أداة لنقل الصورة غير الواقعية لقدرة العراق على التصدي للهجوم الأميركي- البريطاني، والنتيجة أن الانهيار جاء سريعاً وحرب المدن لم تتحقق· وأما قادة (البعث) والدعاة إلى المبارزة فسرعان ما اختفوا في أقبيتهم دون مقاومة تذكر. مثل هذه الحقائق واضحة لنا لأكثر من عقد من الزمان. ومن خلال مناقشات وسجالات التجمع الكبير في دبي يتبين لنا مرة أخرى أننا لسنا على استعداد بعد لمناقشة كيفية تطوير الإعلام العربي على أسس مهنية وموضوعية.