إن السيل المنهمر من الأخبار والصور والموضوعات والحوارات الإذاعية والتلفزيونية، التي تفيض بها أجهزة الإعلام العالمية حول "دارفور" هذه الأيام، يدفع المتلقي العادي للاعتقاد بأن العالم قد فوجئ بأن هنالك كارثة إنسانية قد تفجرت فجأة في ذلك الركن البعيد في أقصى غرب السودان. لكن هذا التصور - الوهم- غير صحيح البتة. فما حدث ويحدث في دارفور والذي اتفقت الأمم المتحدة على وصفه بأنه "أكبر كارثة إنسانية" حتى الآن، لم يحدث هكذا فجأة في الأشهر الأخيرة، منذ أن أصبحت "دارفور" مسألة دولية يعقد لها مجلس الأمن جلسات خاصة، ويصدر بشأنها قرارات وإنذارات محددة بالتاريخ، كما حدث في قراره الأخير بإمهال حكومة السودان حتى نهاية هذا الشهر -أغسطس- لوضع حد للكارثة الإنسانية والمذابح البشرية، وإلا تعرضت لعقوبات بالمقاطعة لم تحدد بعد. إن أزمة أو كارثة أو مأساة "دارفور" - سمِّها كما تشاء- كانت تجري وتتجمع وتتراكم نذرها تحت سمع وبصر المجتمع الدولي ومؤسساته الرسمية "الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة"، على الأقل منذ ثمانية عشر شهراً وقد تزيد. لكن المجتمع الدولي كان متشاغلاً عنها بأمور أخرى إذا أحسنا الظن به، بل كان يغض الطرف عنها كما تشير مؤشرات عديدة صارت معلومة الآن، وإلا فكيف إذن يمكن أن نفسّر هذا التباطؤ المتعمد حتى في معالجة المسألة الإنسانية، حتى بعد أن صارت القضية والكارثة الإنسانية الأكبر - حسب تعبير الأمم المتحدة- على أجندة الأمم المتحدة؟ كيف نفسر هذا الشح والعجز البادي في توصيل الإغاثة الإنسانية من دواء وغذاء وخيام للنازحين واللاجئين والمبعدين بالإكراه من أهالي "دارفور"، والذين بلغت أعدادهم مئات الآلاف من البشر المساكين والفقراء والمعدمين، والذين يعيشون الآن في معسكرات اللاجئين -التي تحدث عنها تقرير لممثلة المفوضية العليا للاجئين- في ظروف غير إنسانية يعجز المرء عن وصفها، بينما الدول المانحة وبخاصة الكبرى منها، لم تفِ حتى الآن بعشر ما التزمت به من التزامات إنسانية!. إن بعض الدول المانحة وبعض ممثلي هيئات الإغاثة الإنسانية الدولية يقولون إن حكومة السودان لا تساعدهم في تأدية مهامهم الإنسانية، بل إنها تعرقل عن عمد أعمالهم. وقد يكون هذا صحيحاً، ولكن يبقى السؤال قائماً: هل بلغ العجز بالمجتمع الدولي وأممه المتحدة عن فرض إرادته الإنسانية على حكومة السودان إلى هذا الحد؟ أم أن قادة الدول الكبرى وسياساتهم الملتوية ومشاريعهم المستقبلية فرضت على أهالي "دارفور" أن تظل معاناتهم مستمرة وأن تتطور كارثتهم الإنسانية الأكبر، حتى تصبح وفقاً لمعايير الأمم المتحدة "تصفية عرقية" تعطي المبرر القانوني للتدخل المسلح للقوات الدولية؟
إن الذين اتخذوا القرار الأخير في مجلس الأمن بإمهال حكومة السودان حتى التاسع والعشرين من أغسطس يعلمون سلفاً، أن الحكومة حتى وإن كانت صادقة وراغبة في وضع حد للمأساة الإنسانية، فإنها ليست قادرة على الوفاء بذلك في هذا الموعد. والمؤسف حقاً في مأساة "دارفور" أن هنالك كثيراً من الحديث والوعود وقليلاً جداً من الفعل الجاد من قبل المجتمع الدولي لمساعدة أهل "دارفور" على الخروج من هذه المأساة الدامية. فهذه التحركات الدولية المحمومة التي جاءت متأخرة جداً، كان يجب أن تحدث قبل أكثر من عام عندما كان من الممكن آنذاك احتواء "الأزمة" دولياً حتى لا تتراكم وتصبح كارثة إنسانية كبرى، في طريقها لتصبح تصفية عرقية. ففي ذاك الوقت المبكر لم تكن أجهزة الرادار الغربية الكبرى موجهة نحو "دارفور". لقد كان شغلها الشاغل هو الجنوب وما كان يعنيه مشروع سلام السودان بالنسبة للإدارة الأميركية سياسياً، وبقيت "دارفور" ضحية الإهمال والنفاق الدولي.