دُعي وزراء الخارجية العرب إلى اجتماع طارئ في الأسبوع الماضي بشأن مشكلة دارفور، وعقد الاجتماع بالفعل واستغرق بضع ساعات وتلي في نهايته بيانٌ لا يحوي كلمة واحدة جديدة، ولا يقدم شيئاً أو يؤخر.
لم يكن هذا البيان ليبرر تحميل الوزراء مشقة السفر وكلفته، وربما كان أفضل لهم ولأهل دارفور المنكوبين تخصيص المبالغ التي أنفقت في الإعداد للاجتماع وسفر الوزراء لأعمال الإغاثة التي تعاني شحاً في الموارد.
ولكن ما شهده الاجتماع، الذي لا لزوم له، ليس إلا جزئية صغيرة في الصورة تدل على حال أمتنا الآن، كما أن المأساة التي يفترض أن الاجتماع عقد من أجلها ليست، بدورها، إلا جزئية أخرى في هذه الصورة.
كانت مقدمات هذه المأساة ظاهرة منذ شهور على الأقل، وكان في الإمكان حلها قبل أن تتفاقم، وحتى في بداية تفاقمها، ولكنها عولجت بالطريقة التي لا نتيجة لها إلا المزيد من التفاقم. وكان مفترضاً أن تقدر جامعة الدول العربية الموقف عندما أخذت الأزمة في التفاقم وتطلب تدخلاً عربياً، ولكنه العجز الذي صار سمة ملازمة للجامعة، والشلل الذي أصاب النظام العربي فأقعده عن أي دور فاعل في الأزمات التي يصنعها بعض أعضائه.
وبينما تحرك الاتحاد الأفريقي أو قام بما يشبه التحرك، ظلت الجامعة العربية والأمة كلها من ورائها في حال قعود. وعندما بدأت الجامعة وقليل من دولها في التحرك في الوقت الضائع، كانت أصوات محترفي دق طبول الحرب قد ارتفعت هادرة كما حدث قبل الحرب على العراق. عاد العرب الذين ساهموا على مدى سنوات في دفع الأزمة العراقية صوب الحرب، تحت شعارات الصمود والممانعة ومواجهة الهيمنة، إلى هوايتهم المفضلة دون أي مبرر. ونشط الجهل الفخور بنفسه في إيجاد مشابهة سطحية بين حالتي العراق والسودان.
ووجدنا صدى بدرجة ما لهذه الأصوات في رد الفعل السوداني الرسمي تجاه القرار الذي أصدره مجلس الأمن في نهاية الشهر الماضي، قبل أن تتغلب الحكمة التي نأمل أن تتواصل. وليت القيادة السودانية تتأمل مدى التدهور الذي آلت إليه حال الأمة من جراء المواجهات غير المحسوبة التي ينعدم فيها التكافؤ منذ حرب 1967 وحتى حرب 2003.
فالخسارة لا تنحصر في هزائم عسكرية واحتلال أرض عربية، وإلا هانت، لأن الهزيمة يجوز تعويضها والاحتلال يمكن إنهاؤه. ولكن ما لا يبدو أننا قادرون على وضع حد له، هو هذا التخلف الذي يتراكم طبقات على نحو يهبط بنا إلى حال لابد أن نخجل منها. وأكثر ما يدل على هذه الحال البائسة هو مشاهد الخطف والقتل والذبح وجز الرؤوس والتي تلقى قبولاً لدى أعداد متزايدة من العرب، بل تحظى بتأييد حماسي من بعضهم.
صحيح أنه لا يوجد استطلاع موثوق في منهجه يوضح موقف عامة العرب تجاه ممارسات همجية لا مثيل لها في تاريخهم. غير أن ردود الفعل التي نلمسها حولنا تفيد أن هذه الممارسات تلقى ترحيباً وتجد تأييداً لدى قطاعات يعتد بها في الرأي العام العربي. وليس هذا نتيجة إحباط فقط ولا وليد رغبة عارمة في الانتقام لضحايا العرب والمسلمين فحسب، فليس ثمة إحباط ولا انتقام يبرر قبول هذا المستوى من الهمجية ما لم يكن هناك قدر غير محدود من التخلف الثقافي والفكري والسياسي والاجتماعي.
فالتخلف هو الذي يمنع الإنسان من أن يسوده شعور طاغ بالخجل لوجود أي شيء يجمعه وهؤلاء الجزارين، الذين لا يرون فرقاً بين إنسان وخروف، ولا يردعهم رادع عن ذبح شخص وقع بين أيديهم مصادفة وبث صورة الذبح كاملة على "الإنترنت".
التخلف هو الذي يجعلنا لا نخجل من أنفسنا حين يكون قطع الرؤوس هو لغة الحوار بين بعضنا، مثلما حدث عندما هددت جماعة الزرقاوي في 29 يوليو الماضي بقطع رأس رهينة صومالي ما لم تنسحب الشركة التي تستخدمه من العراق، فردّ مرشح لانتخابات الرئاسة في الصومال في اليوم التالي مهدداً بأنه سيشجع أنصاره على البحث عن العراقيين في الصومال وقطع رؤوسهم!
لا يثير مثل هذه الممارسات الهمجية قلقنا حتى عندما نفاجأ بأن أحد ممارسيها وضع رأس شخص قطعها في ثلاجة بيته. ولا يسترعي مثل هذا الموقف تأملنا عندما يكون واضع الرأس التي قطعها في الثلاجة هو زعيم الجماعة الملاحقة في السعودية، وهي جماعة تزعم أنها تعمل من أجل مواجهة سياسات الهيمنة الأميركية وتحرير بلاد المسلمين من الكفار!
لا شيء يثير خجلنا أو يحرك عقلنا بحثاً عن مخرج من هاوية التخلف التي نسقط فيها حتى عندما حث "رجل دين" عراقي على اختطاف جنديات بريطانيات لاتخاذهن "جَوَارٍ" (جمع جارية). والمصيبة أنه أعلن ذلك على منبر أحد مساجد مدينة البصرة في إحدى خطب الجمعة، التي أصبح كثير منها في بلادنا العربية عنواناً للجهل والتطرف والتخلف والغوغائية، أي بعكس هدفها المحدد في الإسلام.
ألا ما أبعد الحفرة التي وقعنا فيها عن هذا العصر، لا بل عن كل عصر باستثناء عصور قليلة شهدت مثل هذه الممارسات الهمجية. ولكن الفرق، والمفارقة، أن هذه كانت ممارسات بعض الأقوياء في عصور سابقة عندما غزوا بلاد من هم أضعف فعاثوا فيها فساداً. أما الهمج من أبناء العرب