في مصر خطوات متقدمة في السياسة بعد الانتخابات التشريعية وفي الاستعداد نحو الانتخابات الرئاسية. وفيها أيضاً فوضى في الشارع، ونوعٌ من الضياع، وخوف من أن تأكل الثورة نفسها كما يقولون، وفي أن تتآكل مؤسسات الدولة فتسقط ولا تبقى مرجعية. في مصر، مشاهد مقلقة جداً، ومشاهد تعطي أملاً، والخوف يبقى كبيراً على المستقبل. في مصر جيش ينتشر في الشوارع. ينشر مدرعاته وقواته في كل مكان لحماية المنشآت والمؤسسات والمقرات العامة. ومطالبات في المقابل بتخلي المجلس العسكري عن صلاحياته وتسليمها إلى حكومة انتقالية خلال الأشهر القليلة الفاصلة عن الانتخابات الرئاسية. نقاش حاد حول هذه النقطة مع توجيه انتقادات قاسية لحكم العسكر ودعوات إلى حكم مدني فعلي. مواجهات أمام وزارة الداخلية، ومظاهر في الشوارع لا تبشر بخير، تعبّر عن غليان ومأزق وتردد وإرباك. فإذا تصدّى الجيش بالقوة للناس وقع المحظور، وإذا إنكفأ لا تعرف ماذا يمكن أن يجري وكيف ستسير الأمور، بل، لا تعرف إذا كان ثمة من يلعب من داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية ويفتعل المشاكل، أو يتركها تتفاقم وتتوسع، وإذا كان ثمة من بين المتظاهرين من يدفع بهذا الاتجاه لممارسة المزيد من الضغط على المجلس العسكري أو لتحقيق مكاسب معينة في مرحلة عدم الاستقرار وانتظام الوضع في البلاد. كل شيء وارد. وكل الاحتمالات ممكنة لكن الثابت الوحيد هو أن الشعب المصري يدفع الثمن، والدولة تتآكل، ودور مصر يتراجع في أدّق وأصعب مرحلة يتقرر فيها مصير العرب ودولهم. لقد أثبتت تجارب الأزمات والانقسامات والحروب في عدد من دولنا، بأن ثمة ضرورة للمحافظة على الدولة ومؤسساتها لتكون في خدمة الجميع مهما اشتد الخلاف على الأنظمة وأشكالها والسياسات التي يمكن أن تعتمد. في مصر مشهد غير مألوف، نائب يقف في البرلمان يؤذّن أثناء انعقاد جلسة لمجلس الشعب. رئيس المجلس الذي ينتمي إلى جماعة "الإخوان المسلمين" يقاطعه. يطلب منه التوقف "ثمة مسجد قريب بإمكانك الخروج إليه. ليس هنا موقع الآذان". قال له، وقاطعه أكثر من مرة وتحدث بحدة ونبرة عالية مؤكداً أن مجلس الشعب هو لكل الناس. وثمة قوانين وأصول ترعى ممارسة الحياة السياسية فيه. وأن "النائب المؤذّن" خالف هذه الأصول ولم يأخذ إذن وموافقة رئيسه! مشهد المؤذّن هناك غير مرغوب، وغير مألوف، ومشهد رئيس الجلسة مهم، ومعبّر ومطلوب. المشهد الأول لا يريح، أما المشهد الثاني يعطي أملاً وتطميناً بالنسبة لكثيرين. لكن المشهدين وغيرهما من المشاهد تعبّر عن حالة سياسية جديدة يعيشها الشعب المصري والمجتمع السياسي المصري. مشهد آخر ظهر فيه "مؤمن" يدين لعبة كرة القدم، ويعتبر أن الذين قتلوا خلال إحدى مبارياتها منذ أيام ليسوا "شهداء" كما سماهم البعض، لأنهم سقطوا في لعبة لهو. وبغض النظر عن اعتبارهم شهداء أم لا، فإن نقاشاً دار في البلاد، وكانت ردود من مشايخ وعلماء برفض هذا الكلام واعتبار هذه الرياضة رياضة "شرعية" و"مشروعة" و"عادية" و"ضرورية" وليست لعبة لهو منكرة... المشهد الأول هو أيضاً غريب. والمشهد الثاني طبيعي منطقي عادي، وفي مكان آخر أزمة بين مصر وأميركا حول تمويل المنظمات غير الحكومية. أزمة غير مسبوقة، خرج رئيس الحكومة المصرية كمال الجنزوري ليقول: "لن نتراجع عن موقفنا حتى لو تخلت أميركا عن مساعدتنا". والمساعدة الأميركية ليست ذات دلالة أو رمزية مهمة أو ذات قيمة مالية كبيرة في كل الحالات والمجالات. ومؤسف أن تكون مصر مضطرة وعلى مدى سنوات لتلك المساعدات وشعبها يجوع حتى يخرج إلى الشوارع مطالباً بالحرية والكرامة وفرص العمل، وترى في الوقت ذاته الأموال المنهوبة والثروات المحققة من قبل حفنة من المسؤولين. ليس سراً أن المنظمات غير الحكومية تتلقى دعماً من الخارج تحت عناوين مختلفة. وليس غريباً أن تطالب الدولة بمعرفة الحقيقة. الغريب أن ترفض الإدارة الأميركية مثل هذا الطلب وكأنه انتهاك لسيادتها أو اعتداء على "مواطنيها" و "حقهم" و "حريتهم" في العمل في القاهرة. وكأن لا حق للدولة في متابعة ما يجري على أرضها. وثمة من يقول إن الخلفية تكمن في أن التوغل في التحقيق سيكشف مدى "تورط الأميركيين في اللعبة الداخلية وتطوراتها". وأن المسألة هي مسألة تصفية حساب بين بعض أركان النظام السابق – الحالي حتى الآن، وبين الأميركيين الذين تخلوا عنهم. في كل الحالات تزداد الأمور تعقيداً في القاهرة. يزداد القلق. تتفاقم المشاكل وتتنّوع وكأن الشعب المصري لا يكفيه ما يعانيه، المهم هو أن تنتظم الحياة السياسية اليومية على قاعدة حماية فكرة الدولة ومؤسساتها وبالاستناد إلى مبدأ الثواب والعقاب وكشف الحقائق. لكن يجب أن تبقى الدولة هي المرجعية، والمسألة بحاجة إلى وقت تكون فيه "غربلة" للأفكار والتجارب والمشاريع ولا بد من فرز جديد للقوى في مرحلة معينة. يبقى الرهان على وطنية أبناء مصر وطيبتهم وخلقهم وتراثهم العميق ومخزونهم الثقافي والفكري والأخلاقي والاجتماعي. وفي هذا السياق، تسجل علامة مفرحة ومطمئنة تتجسّد في إعلان تبثه شاشات عربية يظهر مواطناً يدعو إلى حماية تراث مصر وآثارها لأنها ثروة إنسانية وليست مصرية فقط، وهو يبدو أنه يعرّض نفسه للخطر، لكنه يرى أن واجبه الوطني يدعوه إلى ذلك. نحن بحاجة إلى مصر، وقلوبنا مع شعبها الطيب، ورهاننا عليه وعليها وأملنا أن نراها تخرج من الأزمة لتعود إلى لعب دورها. وما يجري فيها اليوم تستفيد منه إسرائيل ولا يزعج أميركا على الأقل إذا غرقت البلاد في فوضى! هذه هي بعض مشاهد مصر.