عثر في النمسا عام 1929 على قصاصة صحفية تقول: وقف طفل صغير أمام والدته يرتعش من شدة البرد في أحد أيام الشتاء وسألها ببراءة: لماذا لا تدفئين المنزل يا أمي؟ قالت الأم لأنه لا يوجد فحم في المنزل يا ولدي. فسألها: لماذا لا يوجد فحم في المنزل؟ قالت الأم: لأن والدك متعطل عن العمل. وعاد الابن يسأل: ولماذا أبي متعطل عن العمل؟ قالت الأم: لأنه يوجد فحم كثير بالأسواق يا ولدي.
في الإمارات عام 2004 يقف الشاب أمام والده وهو يتألم من الملل والبطالة والصدمة في كل صباح ومساء ويسأله ببراءة: لماذا أنا عاطل عن العمل رغم أنني أحمل شهادة جامعية؟! فيرد والده: لأن الحكومة لم تجدْ لك وظيفة بعد... ويعود الشاب ويسأل: ولماذا لم تجد لي الحكومة وظيفة؟ فيرد الأب: لأن هناك وظائف كثيرة في السوق!. لا شك أن سوق العمل في الإمارات وفي منطقة الخليج شهدت تغيرات كثيرة خلال العقود الثلاثة الماضية، ففي السبعينيات ساهمت الإيرادات المرتفعة للنفط في توفر العديد من فرص العمل لأبناء الخليج وللأيدي العاملة العربية بالدرجة الأولى والأجنبية بالدرجة الثانية. وفي الثمانينيات تغير الحال بانخفاض الإيرادات النفطية وبالتالي في الإنفاق مما أجبر القطاعين العام والخاص على خفض كلفة الإنتاج بما فيها كلفة اليد العاملة. وأدت هذه التغيرات إلى تدفق اليد العاملة الأجنبية المنخفضة التكلفة من البلدان الآسيوية. وأدى تدهور أسعار النفط في الثمانينيات إلى وضع غير مسبوق في الدول الخليجية، حيث أصبح الآلاف من المواطنين عاطلين عن العمل فيما يعمل الملايين من العمال الأجانب. واستمر هذا الحال حتى التسعينيات من القرن السابق ومع دخولنا الألفية الجديدة أصبحنا نتحدث عن البطالة في الإمارات كما يتحدث عنها الأرجنتينيون، ويعاني منها شبابنا كما يعاني الشباب الجزائري!.
إذا كانت الحكومة لا تستطيع أن توفر الوظائف المناسبة لجميع المواطنين فهذا أمر يمكن استيعابه والاقتناع به ويمكن ألا تلام الحكومة عليه. ولكن أن تبقى مكتوفة اليدين ولا تحاول حتى التفكير في خلق الفرص والظروف المناسبة - إلا بعض المحاولات الخجولة- للحصول للمواطنين على الوظائف وتأهيلهم بالصورة الصحيحة فهذا ما لا يمكن قبوله. أما محاولة البعض في دفع الشباب المواطن بقبول الفرص الصغيرة والهامشية في الوظائف، وإقناعهم بقبول الرواتب الضعيفة، وترك الوظائف المهمة والرواتب الجيدة، بحجة أنهم تنقصهم الكفاءة والدافعية والخبرة فهذه محاولة يجب أن يوضع لها حد، فمن غير المقبول ومن غير المنطقي أن يحدث ذلك في بلد كالإمارات وفي هذا الفترة من الزمان.
أما من يحاول أن يقلل من شأن البطالة بحجة أن عدد العاطلين عن العمل صغيرٌ جداً، ويرددون دائماً أن قليلاً من البطالة لا يضر بالمقارنة بدول أخرى فهؤلاء أيضاً نتمنى أن يوفروا جهودهم "المخلصة" في هذا المجال لأنفسهم، فنحن مقتنعون بأن قليلاً من البطالة يضر اليوم لأنه سيصبح غداً كثيراً من البطالة التي لا يمكن السيطرة عليها، والتي ستخلق لنا مشاكل كثيرة نحن في غنىً عنها.
مشكلة البطالة ليست جديدة وما لا يمكن إنكاره أننا كنا نتحدث عن البطالة منذ زمن طويل، وأول أنواع البطالة التي كنا نتحدث عنها كانت البطالة المقنـَّعة، التي كانت منتشرة في الثمانينيات بشكل واضح، واستمرت حتى التسعينيات، ولم يكن الحديث عن هذه المشكلة يلقى الاهتمام المطلوب. واليوم أصبحنا نعاني من جميع أنواع البطالة المقنـَّعة منها والاختيارية والإجبارية والدورية وربما غيرها من الأنواع التي لا نعرف أسماءها ولكننا نمارسها! وإذا لم نهتم بمعالجتها فستفلت الأمور من أيدينا تماماً.
عندما نتكلم عن البطالة فإننا لا نحاول تحليل معادلة كيميائية معقدة وإنما نتكلم عن معادلة في قمة البساطة وهي أن (1+1=2) والذي نراه ونعرفه أن البلد بحاجة إلى الوظائف في جميع المجالات، ولو تم تعيين كل المواطنين الذين يتخرجون من الجامعات والكليات سنوياً لاستوعب السوق أغلبهم، وربما احتاج إلى عمالة وافدة. فلماذا لا ننظم أنفسنا والسوق كي يحصل الخريج على الوظيفة المناسبة؟!
في يناير الماضي أعلن معالي مطر حميد الطاير وزير العمل والشؤون الاجتماعية أن نسبة البطالة بين المواطنين في الإمارات تتراوح ما بين خمسة إلى ستة في المئة - مع العلم بأن نسبة البطالة في عام 1995 لم تكن تتجاوز 2.6 في المئة!- وقال إن الجامعات الإماراتية تمد سوق العمل سنوياً بنحو 13 ألف خريج يحتاجون إلى وظائف... وهو الذي قال إن إجمالي القوى العاملة المواطنة بدولة الإمارات يبلغ نحو 200 ألف شخص وهو ما يشكل نسبة تتراوح ما بين 11 و13 في المئة من القوى العاملة في الدولة. ألا يعني ذلك أن هناك أكثر من 85 في المئة من فرص العمل من نصيب غير المواطنين! آلا يدل ذلك على أن المعادلة البسيطة (1+1 لا يساوي 2) وهذا يعني أننا في هذه الحالة نواجه وضعاً غير طبيعي وهنا لا ندعو إلى إنهاء خدمات الموجودين، وإنما تعيين الخريجين في الوظائف المستحدثة، وإحلالهم محل