جاءت الحكومة العراقية المؤقتة لتعبر عن الموزاييك الاجتماعية للعراق، بل ربما قد تكون من أكثر الحكومات العربية تمثيلا لمختلف الشرائح الاجتماعية. حاول البعض التشكيك في الحكومة المؤقتة باعتبارها حكومة غير وطنية، تم تشكيلها على يد الأميركان، وكأن الحكومات العربية لا تربطها أية علاقة بالأميركان. الحكومة المؤقتة كانت هي المخرج العملي والواقعي لإنهاء الاحتلال للعراق ولا أعتقد من العقل أن يترك العراق ينتخب حكومته في ظل عدم استقرار الأوضاع الأمنية.
عندما اعتلى د. علاوي رئاسة الحكومة حاول جاهدا تكريس السلطة الوطنية في العراق وضبط الأوضاع الداخلية، إلا أن الحكومة الجديدة لا تملك كامل مقدرات الدولة وآلياتها لبسط نفوذها وبالتالي هي بحاجة ماسة لقوات التحالف في مساعدتها على بسط نفوذها في داخل العراق. الحكومة المؤقتة أعدت لاجتماع المؤتمر الوطني لانتخاب هيئة تشريعية تساعد الحكومة المؤقتة في تأدية وظيفتها وتراقب أداءها، إلا أن الخطوة لعقد مؤتمر وطني عراقي اعتبرت عملية أميركية بحتة. بدأت بعض القوى العراقية برفض المشاركة في المؤتمر الوطني وأعلنت عن مقاطعته.
الحكومة المؤقتة عقدت العزم على الدعوة للمؤتمر الوطني وانتخاب الهيئة التشريعية كما جاء في قانون الدولة العراقي، كما أن الحكومة المؤقتة سترتب الأوضاع الداخلية للانتخابات القادمة والمقرر لها في يناير 2005.
استمرار أعمال العنف في العراق ليس بمقاومة وطنية كما يسميها البعض، وإنما أعمال تخريبية المراد منها إجهاض حكومة علاوي. العراق يعيش حالة فوضى، وهذه الفوضى لن تخدم سوى أعداء استقرار العراق وستمكنهم من تحقيق أهدافهم في إفشال التحول السلمي والديمقراطي للعراق. لا اعتقد أن هناك من يستطيع أن يجادل ويقول لنا إنه كان بامكان العراقيين إزاحة صدام حسين من السلطة، فلولا التدخل الأميركي لبقي صدام في السلطة إلى يومنا هذا. الولايات المتحدة لها مصالح في العراق وهذا أمر لا خلاف حوله، إلا أن للعراقيين كذلك مصالح تتلاقى مع الأميركان وعليهم استثمارها لصالحهم عبر إجادة فن لعبة تبادل المصالح بين الدول.
مهما قلنا حول الاحتلال الأميركي سيظل أخف من الاحتلال الصدامي للعراق، وإذا كانت أميركا استطاعت أن تزيح الديكتاتور الذي جثم على صدر العراقيين، فكان الأجدر بالعراقيين البدء في انطلاقة جديدة لقيام عراق جديد يحظى فيه الجميع بالأمن والسلام والتنمية.
عندما غزا صدام حسين الكويت تنادت الأصوات العربية واتهمت الكويت بالعمالة، فقط لأنها استعانت بالأميركان. وربما لو لم تقدم الكويت على تلك الخطوة الجريئة لبقيت الكويت تحت الاحتلال العراقي إلى يومنا هذا. مشهد احتلال الكويت وتحريرها يعاد عرضه في العراق، فخرجت علينا قوى مختلفة الألوان للحديث عن الاحتلال الأميركي ومقاومته، وتتهم حكومة علاوي بالعمالة للأميركان، كما يقول القومي العراقي المشهور وميض نظمي الذي شكل له مجلسا يضم مجموعة من القوى السياسية المناهضة للحكومة المؤقتة. فيقول وميض نظمي من وجهة نظره إن يعاني منه العراق هو صراع بين قوى مؤيدة للاحتلال ومرتبطة بمصالحه وقوى مناهضة له وترفضه، ووصف المؤيدين للاحتلال بأنهم دمى يتم تحريكهم كما يريد المحتل.
العراق تخلص من صدام حسين وكان الخلاص على يد الأميركان وليس القوميين العراقيين أو الشيوعيين أو حزب الدعوة أو غيرهم من قوى سياسية عراقية فاعلة، وإنما كان على يد الأميركان. الواقع الجديد يجب التعامل معه برؤية جديدة، فالعراق يكفيه ما عاشه من ضياع لمقدراته ودمار لمؤسساته وتحطيم لبناه الاقتصادية وهو اليوم بأمس الحاجة لكل العراقيين أن يسهموا ببناء الدولة الجديدة التي قد تخرج البلاد العربية إلى عالم الحرية والإنسانية.