الوحدة النقدية دعامة استراتيجية للاستقرار الاقتصادي والنقدي وهي دعامة أساسية من دعائم أسواق المال الخليجية وهي أداة ربط تلك الأسواق المالية ببعضها بعضا تحت مظلة واحدة.
يبدو أن دول مجلس التعاون الخليجي تهدف إلى تحقيق الوحدة النقدية الخليجية في عام 2010 . كما يبدو أنها قد بدأت تعد عدتها لتحقيق تلك الوحدة التي سوف تشمل إنشاء عملة موحدة مرتبطة بالدولار الأميركي وبنك مركزي خليجي واحد، ونظام نقدي ومصرفي واحد. فهل تكون الوحدة النقدية الخليجية وسيلة أو طريقة استراتيجية مهمة لا يمكن الاستغناء عنها أو استبدالها لتدعيم وتقوية الاقتصاديات الخليجية وهي في طريقها إلى الوحدة الاقتصادية الخليجية، أم أن الوحدة النقدية هي هدف أو غاية نهائية للوحدة الاقتصادية الخليجية وتبقى من دعائم ومقومات تلك الوحدة الاقتصادية؟ أي بمعنى آخر: هل الوحدة النقدية تسبق الوحدة الاقتصادية أم العكس هو الصحيح أم أن كلاهما يسيران في وقت واحد؟. وهل الاقتصادات الخليجية المحلية مؤهلة هيكلياً ومؤسسياً ونظامياً وإدارياً وفنياً لتقبل نظام الوحدة النقدية الخليجية المرتقب؟ وما مدى تجانس تلك الاقتصادات بمنطق النماذج الاقتصادية الكلية؟ وهل المؤسسات الاقتصادية لمجلس التعاون مؤهلة وناضجة إلى المستوى الذي يتقبل الوحدة النقدية بحلول عام 2010؟ ولماذا نخطط منذ الآن لربط العملة الموحدة بالدولار الأميركي، على رغم أن العالم يتطلع إلى نظام اقتصادي دولي متعدد الأقطاب، وعلى الرغم من بروز المتغيرات والمستجدات الدولية التي ترجح ضرورة ربط عملاتنا بسلة عملات دولية بدلاً من ربطها بالدولار الأميركي؟·
في الحقيقة أن مسألة التخطيط لخلق عملة خليجية موحدة مسألة قد تبدو لنا في غاية الأهمية. وتنبع أهميتها من كونها دعامة أساسية من دعائم ومقومات الوحدة النقدية الخليجية. فبدون الوحدة النقدية لا يمكن أن نخلق نظاماً نقدياً ومصرفياً خليجياً موحداً . وبدون النظام النقدي الموحد لا يمكن أن نخلق وحدة اقتصادية خليجية متجانسة ومواكبة للتطورات والمتغيرات الحديثة. فالوحدة النقدية تعتبر دعامة استراتيجية للاستقرار الاقتصادي والنقدي. وهي دعامة أساسية من دعائم أسواق المال الخليجية. وهي أداة من أدوات ربط تلك الأسواق المالية ببعضها بعضا تحت مظلة واحدة. بيد أننا لو نظرنا نظرة واقعيةً إلى الاقتصادات الخليجية اليوم سوف نجد أنها متجانسة نسبياً في بعض الصفات مثل اعتمادها جميعاً على ريع النفط الخام والغاز الطبيعي، وتطلعها جميعاً للتخفيف من ذلك الاعتماد وتنمية القطاعات الاقتصادية الأخرى، ووجود ظاهرة البطالة بين المواطنين على رغم قلة الموارد البشرية فيها واعتمادها على اليد العاملة والخبرة والتكنولوجيا الأجنبية بشكل مكثف، ووجود العجز في الميزانيات العامة لكافة دول الخليج، وتشابه المواصفات القياسية للسلع والخدمات، وتشابه الأنظمة النقدية والمصرفية ومن ثم الأنظمة الاقتصادية، وتشابه الأنظمة السياسية فيها من حيث كونها أنظمة حكم وراثية، ففي هذه العوامل تلمس اختلافا في الدرجة وتجانسا في النوع.
بيد أن هناك عوامل أخرى قد تبدو أكثر اختلافاً وتبايناً في النوع وفي الدرجة، وقد تكون معيقة للتقدم نحو الوحدة الاقتصادية مثل تباين واختلاف النظم الإدارية والتنظيمية ومدى استغلال التكنولوجيا في الإدارة والتنظيم، واختلاف نظم العمل وهجرة العمال المحلية والخليجية والخارجية واختلاف النظم الأمنية والتشريعية والقانونية والقضائية، وتباين الرواتب والأجور واختلافها بشكل كبير، واختلاف التعرفة والرسوم الجمركية والرسوم بشكل عام، والميل إلى التنافس الحاد ما بين المنتجين الخليجيين· والأهم من كل هذا هو تباين واختلاف الرؤى والاستراتيجيات المحلية ومن ثم تباين واختلاف القناعات المتشكلة لدى السلطات والأفراد في كل بلد خليجي. من هذا المنطلق فإن مشروع الوحدة النقدية قد يبدو سابقاً لعصره بكثير إلا إذا ظهر جيل جديد أحدث تغيرات اقتصادية هيكليةٍ لم تكن في الحسبان، وذلك لكوننا نحن ما زلنا نطمح إلى أحلام قد تبدو بعيدة كل البعد عن الواقع الاقتصادي. فها هي الاتفاقية الاقتصادية الموحدة لدول مجلس التعاون والتي صادق عليها المجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية منذ عام 1981 لم يتم ترجمتها إلى واقع تنفيذي بالصورة الطموحة التي رسمناها على الورق.
إن خلق العملة الموحدة لا شك يعتبر هدفاً استراتيجياً لأي كيان اقتصادي يهدف إلى الوحدة الاقتصادية، بل إنه ركيزة أساسية من ركائز الوحدة الاقتصادية، غير أننا في دول مجلس التعاون قد لا يكون ذلك هدفاً استراتيجياً لنا في الأمد القصير حيث إن الأهداف الأهم منه والتي يجب أن تسبقه لتخلق نوعا من التجانس في النظم الاقتصادية والإدارية والتنظيمية المطبقة لم تتحقق بعد، مع أننا نستطيع تحقيقها بدونه وبأقل تكلفة منه . ولو نظرنا إلى الوحدة النقدية الأوروبية (اليورو) لوجدنا أن الظروف التي أدت إلى خلق اليورو تختلف كثيراً عن ظروف دول المجلس،