في بداية هذا الأسبوع أعلنت الحكومة الصينية عزمها على إطلاق أول مركبة فضائية صينية مأهولة، في وقت ما بين الخامس عشر والسابع عشر من هذا الشهر. وتطمح الحكومة الصينية بهذا الإطلاق إلى أن تصبح دولتها ثالث دولة في العالم تتمكن من وضع إنسان في الفضاء الخارجي، بعد كل من الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة. وينوي الصينيون استخدام المركبة ( شينزو 5) (Shenzhou 5) - وهو الإسم الذي يعني (السفن المقدسة) في اللغة الصينية- والمفترض لها أن تنطلق من قاعدة ( جوكوان) (Jiuquan) للأقمار الاصطناعية، لتدور حول الأرض أربعة عشرة مرة قبل أن تهبط في مكان محدد سابقا، والذي غالبا ما سيكون في نقطة ما في إقليم ( منغوليا) الشاسع والواقع في شمال الصين.
هذا الحدث إذا ما تم فعلا خلال الأيام القليلة المقبلة، سيحمل نجاحه الكثير من التبعات السياسية والاقتصادية والعسكرية. فبداية سيستخدم الحزب الشيوعي الصيني هذا النجاح لإحكام قبضته على الحكم في الصين، في مواجهة معارضة داخلية متزايدة لسياسية الحزب الواحد. فوضع قيادة الحزب لهذا المشروع على كاهلها ومن ثم نجاحها فيه، هو أكبر دلالة على عزم قيادة الحزب على تحديث وتطوير الصين من الداخل، ووضع الأمة الصينية ضمن مصاف القوى العظمى من خلال الاستثمارات العلمية والعسكرية الهائلة. وهو إذا ما تم فسيكون تحولا جوهريا في صورة الحزب، من مجموعة من الشيوخ والعجائز الذين ينتمون إلى (الحرس القديم)، إلى قيادة حديثة متطورة تدفع بشعبها واقتصاده إلى حافة التقدم العلمي والازدهار الاقتصادي. هذه الأهمية السياسية تمتد إلى خارج حدود الصين، والتي تعتبر أكبر ثقل سكاني وسياسي وعسكري في منطقة جنوب شرق آسيا. فاحتفاظ الحزب الشيوعي بسدة الحكم في هذه الدولة العملاقة، سوف يساهم في خلق نوع من الاستقرار في تلك المنطقة المليئة بالتوترات السياسية والعسكرية. بينما حدوث أية اضطرابات مدنية أو سياسية واسعة النطاق داخل الحدود الصينية، سيحمل معه خطر الانتشار إلى الدول المجاورة وخصوصا إلى شبه الجزيرة الكورية، مسببا زعزعة الاستقرار وربما نشوب صراعات. هذه الأهمية السياسة متعددة الأبعاد تدركها تماما قيادات الحزب الشيوعي الصيني، وهي أيضا الأهمية التي كانت خلف قرارها بتوقيت هذا الإطلاق بعد أيام قليلة من مؤتمر رئيسي للحزب، مع التوقع أن يحضر الإطلاق العديد من أبرز أفراد القيادة الصينية.
وعلى الجانب الاقتصادي يحتل هذا الإطلاق أهمية كبرى أيضا. ويعود ذلك إلى عدة أسباب، أهمها رفع مكانة الصين العلمية على المستوى الدولي، وهو ما يعني بالتبعية زيادة ثقلها الصناعي والتجاري. فنجاح هذا الإطلاق سوف يؤدي بالتبعية إلى زيادة ثقة المستهلك في البضائع الصينية، وسيساهم في تغيير صورة صناعتها من صناعات بدائية تعتمد على العمالة الرخيصة وعلى نسخ أفكار الآخرين، إلى صناعات متطورة قادرة على تحقيق إنجازات علمية لم يسبقها إليها إلا النزر القليل من الدول. فبلا شك إن تمكن الصينيون من تحقيق ذلك الإنجاز، فلن تظل صورة دولتهم وشعبهم وقدراته الصناعية كما هي عليه الآن.
أما البعد الثالث لهذا الإطلاق الفضائي المتوقع، فسيكون بعدا عسكريا. ولإدراك أهمية هذا البعد يجب أن نتوقف قليلا عند الاستخدامات العسكرية الحربية المتوقعة للفضاء الخارجي في المستقبل. ففي سنوات الحرب الباردة وبالتحديد في عام 1984 في عهد إدارة الرئيس الأميركي رونالد ريجان، أعلنت الحكومة الأميركية وعلى لسان رئيسها عزمها على بناء محطة فضائية مأهولة دائما بالبشر تستخدم للأغراض العسكرية وأطلق عليها اسم (الحرية) كجزء من النظام العسكري الشامل الذي كان يدعو إليه ريجان والمعروف بـحرب النجوم (StarWar) . ولم تتمكن المؤسسة العسكرية الأميركية من إتمام هذا المشروع نتيجة صعوبات فنية كثيرة، وأيضا بسبب قلة خبرة الأميركيين ببناء وامداد المحطات الفضائية المأهولة بالبشر، وهو المجال الذي برع وتفوق فيه خصومهم السوفييت. ومع حلول عام 1994 وفشل الأميركيين في تحقيق تقدم واضح في هذا المشروع، قام الرئيس الأميركي بيل كلينتون بإعادة إطلاق المشروع مرة أخرى، ولكن هذه المرة كمشروع سلمي يرمز إلى فترة ما بعد نهاية الحرب الباردة وبمشاركة العديد من أعضاء المجتمع الدولي وأعيد أيضا تسمية المشروع ليصبح المحطة الفضائية الدولية. وخلال الأعوام الستة الماضية قطع المشروع خطوات طويلة إلى شكله النهائي، كان أهمها إطلاق أول مكوناته في نوفمبر من عام 1998، ووصول أول طاقم بشري للمحطة في نوفمبر عام 2000 بقيادة رائد الفضاء الأميركي ( بيل شيفرد)· وعلى رغم أن كلينتون حول فكرة ريجان العسكرية إلى مشروع تعاون دولي لاستخدام الفضاء الخارجي لأغراض سلمية، إلا أن التغيرات الساياسية على الساحة الدولية خلال الأعوام القليلة الماضية وبالتحديد وصول قيادة متشددة إلى مقاعد الإدارة الأميركية، قد أعادت الحياة مرة أخرى إلى فكرة استخدام هذه المحطة الدولية في الأغراض العسكرية.
وإذا ما نجح الصينيون في الوصول