بدأت يوم الأحد الماضي فعاليات المؤتمر الوطني العراقي بحضور 1300 مندوب يمثلون جميع الأحزاب السياسية والمجموعات الدينية ومنظمات المجتمع المدني، وقاطع المؤتمر جماعات مقتدى الصدر "الشيعية" وهيئة علماء المسلمين "السنة".
تنبع أهمية المؤتمر في كونه يشكل فرصة تاريخية للمؤتمرين لمناقشة العديد من المشاكل التي يمر بها بلدهم بروح ديمقراطية حرة بعيداً عن لغة "الإرهاب". المؤتمر بالتأكيد لن يحل جميع مشاكل العراق في ظرف ثلاثة أيام، ولكن هنالك فرصة للحوار والنقاش بين الإخوة الفرقاء للاتفاق حول طبيعة العراق الذي يريدونه وكيف يمكن فرش الأرضية لصالحه لإقامة نظام تعددي ديمقراطي في العراق بعد انتهاء الفترة الانتقالية.
يأتي انعقاد المؤتمر في مرحلة تاريخية مهمة يمر بها العراق الشقيق، حيث إن هنالك حرباً أهلية طاحنة بين القوى الحكومية التي تحاول تهدئة الأمور في العراق، ووضع أسس جديدة لعراق ديمقراطي تعددي يلعب فيه أفراد الشعب العراقي بكل طوائفه دوراً فعالاً من خلال دستور جديد يكفل للجميع حرية الاختيار الحر، سوف يختار الشعب العراقي ممثليه الحقيقيين بدون تدخل حكومي على الطريقة العربية المعهودة.
الحكومة الانتقالية تواجه تحدياً أمنياً حقيقياً يعيق كل محاولاتها لإعادة إعمار العراق والتمهيد للدعوة للانتخابات الجديدة في شهر يناير 2005.
القوى المعارضة للحكومة والتي تقاطع فعاليات المؤتمر الوطني معظمها قوى إسلامية دينية "شيعية وسنية" تحاول استغلال الدين للوصول إلى السلطة عن طريق طرح مطالب وشعارات تدعو في مجملها إلى انسحاب قوات التحالف الغربي قبل الدعوة للانتخابات أو إعادة إعمار العراق، والغرض من ذلك هو أنهم يريدون أن يسود الفراغ السياسي العراق لكي يتسنى لهم التفرد بالسلطة عن طريق قوة السلاح، فهم قوى سياسية مرفوضة من قبل الشعب العراقي، والدليل على ذلك هو رفضهم للانضمام للحوار الديمقراطي والمشاركة في المؤتمر الوطني. جماعات الإسلام السياسي العراقية لا تملك رؤية موحدة ثابتة ومحددة. ماذا يريدون تماماً؟
جماعة مقتدى الصدر وجيش المهدي يريدون دولة دينية مثل إيران الإسلامية، وقد دعمتهم الحكومة الإيرانية بهذا التوجه بزجّ الآلاف من المتطوعين الإيرانيين الذين يحلمون بإقامة "دولة دينية شيعية في العراق".
حلفاء مقتدى الصدر اليوم هم أنفسهم أعداء الأمس، فجماعات "الزرقاوي" و"القاعدة" الذين يعملون في الفلوجة كانوا المسؤولين عن مقتل سائقي الشاحنات العراقيين الشيعة. كل ما يطمحون إليه هو الوصول إلى السلطة وإقامة دولة دينية سنية على شاكلة دولة "طالبان" في أفغانستان.
الغريب في الإشكالية العراقية أن المرجعية الدينية العليا في العراق آية الله العظمى علي السيستاني الذي يتعالج في لندن يرفض إقامة دولة شيعية، بل يفضل عنها دولة ديمقراطية حقيقية تتاح فيها لشيعة العراق الفرصة للتصويت والمشاركة مع إخوتهم العراقيين الآخرين لاختيار ممثلي الشعب، ووضع الأسس الجديدة لنظام ديمقراطي تعددي يحترم حقوق الإنسان في العراق.
المؤتمر الوطني العراقي أمام خيارات تاريخية صعبة، إما الوقوف مع الحكومة المؤقتة ودعمها لإقامة دولة ديمقراطية يشارك فيها جميع العراقيين إيجابياً، أو إقامة دولة دينية لا يعرف أصحابها حتى الآن ماذا يريدون؟ لكن الواضح من أعمالهم المشينة ينم عن وجود رجال عصابات "إرهابيين" يتاجرون بالدين وتدعمهم تيارات قومية وإسلامية متصورة أن الفلوجة يمكن أن تتحول إلى معارك مثل الحروب الصليبية. نتمنى للمؤتمر الوطني النجاح والتوفيق في تحقيق مهامه الصعبة.