بعدما ألقى أوباما خطابه السنوي عن "حالة الاتحاد"، وفي الوقت الذي يجتمع صناع السياسة ورؤساء الشركات والمؤسسات العالمية في دافوس، نلحظ بعض التخفيف في ذلك الشعور المبالغ فيه بالقلق الذي سيطر على المجتمع العالمي خلال السنوات القليلة الماضية. فخلال يناير الجاري نلحظ أن مؤشرات أسواق الأوراق المالية مرتفعة بشكل عام، وأن الصناديق السيادية الأوروبية قد واجهت صعوبات أقل في الاقتراض مما كان متوقعاً. أما البيانات الاقتصادية فقد كانت متقدمة عن التوقعات، وخصوصاً في الولايات المتحدة. ومع ذلك كله يبقى القلق حول المستقبل محركاً رئيسياً من محركات الأداء الاقتصادي. أما الأخبار القادمة من الأسواق فأهم ما يميزها هو ما تنطوي عليه من مفارقة: فمن ناحية نجد أن معدلات الفائدة تبقى منخفضة في مختلف أنحاء العالم الصناعي، وهو ما يرجع جزئياً لنسبة التضخم المنخفضة للغاية والمتوقعة في آن. ومع ذلك نجد أن أسواق السندات التي ترتبط مؤشراتها بنسبة بالتضخم توحي بأن المستويات المنخفضة بدرجة ملحوظة لمعدلات الفوائد الحقيقية، ستظل سائدة لفترة طويلة. ولا يقتصر الأمر على ذلك بل نجد أن السندات والعقارات في معظم دول العالم الصناعي تبدو رخيصة عند النظر إليها على أساس قاعدة" السعر مقارنة بالمكاسب". فضلا عن ذلك، نجد أن ذلك المزيج من معدلات الفائدة الحقيقية المنخفضة، والنسبة المنخفضة لقيم الأصول للتدفق المالي، يؤشر على درجة عالية بشكل غير عادي من الخوف حيال المستقبل. ففي الشهور الأخيرة كان هناك ميلاً أقوى بكثير من المعدلات الطبيعية للدمج بين معدلات الفائدة الأعلى وأسواق الأوراق المالية القوية والعكس بالعكس. في بيئة اليوم الاقتصادية، عادة ما يتم الربط بين التفاؤل وبين ارتفاع معدل الفائدة وأسعار الأسهم والسندات، لأن التوقعات تؤشر في هذه الحالة على المزيد من الأرباح والمزيد من الطلب على الأموال. تاريخياً، كانت معدلات الفائدة، وأسعار الأسهم والسندات، تنحوان عادة للتحرك في اتجاهين متعاكسين بسبب عمليات إعادة التقويم للسياسات المالية والنقدية المستقبلية، مع التوقعات عن معدلات الفائدة الأعلى التي تدفع أسعار الأسهم والسندات للأسفل. فلو كان أحد المحركات المهمة للأسواق في وقت ما، هو الثقة بأن الأجانب سوف يستحوذون على دين للولايات المتحدة، فإن المرء هذه الحالة يتوقع أن معدلات الفائدة سترتفع، وأن الأسواق ستهبط بسبب زيادة المخاوف. وعندما تقل تلك المخاوف فإن العكس تماماً هو الذي يحدث. وعدم اليقين بشأن توقعات النمو المستقبلي باعتباره محركاً مهماً من محركات الأسواق يرتبط عادة بالمستويات العالية بشكل غير عادي لبند النقود في ميزانيات الشركات، وبإحجام المشروعات التجارية عن تعيين موظفين جدد، وبذلك الإحساس بأن المستهلكين مترددون أمام المشتريات الاختيارية الغالية الثمن، حتى عندما تصل تكاليف وأسعار البضائع الرأسمالية إلى مستويات قريبة من المستويات القياسية المنخفضة. كل ذلك يوحي بأن أولوية الحكومات في العالم الصناعي، يجب أن تكون هي توليد الثقة بأن التعافي سوف يستمر ويتسارع في الولايات المتحدة، وأن التباطؤ الاقتصادي السائد في أوروبا سوف يكون محدوداً. أما الكيفية التي سيتم بها ذلك فتظل مجالًا مفتوحاً للنقاش والجدل. في دافوس وما وراءها، سوف يذهب البعض للقول بأن الأولوية القصوى يجب أن تُعطى لتعظيم ثقة قطاع الأعمال، والتأكيد على أن حزم التحفيز الحكومية عديمة الفائدة – على أحسن تقدير- كما يمكن أن تؤدي لنتائج عكسية. وسيكون هناك آخرون - اقتصاديون أكثر منهم رجال أعمال - ممن سيرون أن الأولوية القصوى يجب أن تعطى لحزم التحفيز الحكومية، وأن مسألة ثقة قطاع الأعمال ليست سوى وسيلة لتغيير محور الاهتمام لصرف النظر عن القضية الرئيسية. وفي الحقيقة أن"كينز" كان قد تنبأ بهذا الجدل العقيم منذ 75 عاماً، وذلك عندما كتب رسالة لروزفلت يقول له فيها" إن عالم الأعمال يجب أن يجري تحفيزه سواء من خلال زيادة الثقة في التوقعات، أي التوقع بأن الأمور بشكل عام ستكون على ما يرام، أو بتخفيض معدلات الفوائد، وذلك من أجل خلق - في الحالتين - دخولًا جارية إضافية في أيادي موظفيه" أو"استدعاء السلطة العامة طلباً لمساعدتها في توفير دخول جارية إضافية من خلال إنفاق النقود المقترضة أو المطبوعة". والمقاربة السليمة في عالم اليوم هي الاقتراض من المدرستين الفكريتين. من المفهوم أن مشروعات الأعمال تشعر بعدم اليقين بشأن توقعاتها بعد الأحداث الجسيمة والعديدة التي شهدتها السنوات الأخيرة. والوقت الراهن ليس هو الوقت الذي يمكن فيه مفاقمة القلق، دونما أي داع أو ضرورة. وباستثناء الحالات التي يكون فيها هناك سبب منطقي عاجل وملزم يدعو إلى ذلك، يجب تجنب اللجوء إلى فرض المزيد من اللوائح والأنظمة التي تزيد من التعقيدات المفروضة على الاستثمار وتثقل كاهله. كذلك يجب العمل على معالجة ظاهرة عدم المساواة المتفاقمة في الولايات المتحدة وما وراءها. ولكن هناك الخطأ الخاص باحتمال أن تؤدي - في الواقع العملي - السياسات المقدمة باسم العدالة والإنصاف، والتي تثقل على نحو متزايد باستمرار العبء على استثمارات خلق الوظائف، إلى مفاقمة التحديات التي تواجه الطبقة الوسطى، التي تواجه العديد من التحديات الجسام في وقتنا هذا سواء في الولايات المتحدة وفي غيرها من البلدان. وفي الوقت الراهن الذي يتميز بدرجة كبيرة من الشك في القدرة الوظيفية للحكومات، يمكن لتلك الحكومات أن تزيد بدرجة كبيرة وجوهرية من مقدار الثقة، وذلك من خلال استنباط خطط واضحة لتحقيق المزيد من التوازن بين الإنفاق وبين الضرائب بمجرد تحقيق التعافي الاقتصادي. من خلال العمل على زيادة الطلب بشكل مباشر، وتعظيم ثقة مشروعات الأعمال، ستتوافر للحكومات أفضل فرصة ممكنة لتحقيق التعافي الاقتصادي. ويجب أن يكون هذا هو محور تركيز المناقشات الاقتصادية في الأجل القصير سواء في دافوس، أو فيما وراء ذلك. لورانس سمرز كبير المستشارين الاقتصاديين لأوباما سابقاً ينشر بترتيب خاص مع خدمة" واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس"