خضعت مصر لحكم "مبارك" ثلاثين عاماً، حتى قامت ثورة 25 يناير 2011 فأطاحته وفيما كان عبدالناصر صاحب مشروع، جلب لتنفيذه رجالاً يؤمنون به أو يتظاهرون بذلك، وكان السادات مطالباً بتنفيذ مشروع جديد مخالف، فإن مبارك لم يكن صاحب مشروع، ولا مطالباً بتنفيذ مشروع جديد، بل فقط بالسير في نفس الطريق الذي شقه السادات، وتنفيذ "ما يستجد من أعمال". انطلاقاً من هذا الاختلاف بين العهود الثلاثة، يعتقد الدكتور جلال أمين، الكاتب والمفكر اليساري المعروف، في مؤلَّفه الذي نعرضه هنا "مصر والمصريون في عهد مبارك"، أن الدولة المصرية كانت قوية في عهد عبد الناصر، ثم بدأ يعتريها الضعف في عهد السادات، قبل أن تصبح "دولة رخوة" جداً في عهد مبارك. ويستعير المؤلف مصطلح "الدولة الرخوة" من عالم الاقتصاد السويدي "جنار ميردال"، الذي اعتبر في أوائل السبعينيات أن ذلك النمط من "الدولة" يمثل سر البلاء الأعظم في بلاد العالم النامي وسبباً رئيسياً لاستمرار فقرها وتخلفها. ويعني بالدولة الرخوة دولة تصدر القوانين ولا تطبقها، حيث يعم الفساد والمحسوبية وتنتشر الرشى ويسود سوء استغلال السلطة. ويذكر المؤلف أنه حين عاش في لبنان خلال بداية السبعينيات، رأى بنفسه علامات "الدولة الرخوة"، أما مصر فكانت حينذاك أبعد ما تكون عن "الدولة الرخوة"، لكنها أخذت منذ بداية حكم السادات تتحول سنة بعد أخرى إلى نمط الحياة في لبنان: الحكومة تتراجع شيئاً فشيئاً عن القيام بوظائفها التقليدية، والحقوق خاضعة للمفاوضة والمساومة، وكل شيء مرهون بالشطارة. لكن حتى مع بداية الثمانينيات لم يكن النموذج اللبناني قد انطبق بحذافيره على مصر. لكن بعد ثلاثين عاماً من ذلك التاريخ أصبح نمط الحياة في مصر نسخة مكررة من نمط الحياة في لبنان، حيث نجد سطوة المال، وأن لكل شيء تسعيرته! ووفقاً للدكتور أمين فقد كان مطلوباً لقيادة مصر ما بعد عبدالناصر، أشخاصاً لا يحملون أي سخط حيال السياسة الأميركية، وممن لديهم نقطة ضعف إزاء نمط الحياة الأميركي، ويحبون تمييز أنفسهم عن عامة المصريين، ويكرهون أي شيء يمت للاشتراكية بصلة، ولا ينظرون إلى قضية فلسطين بالحدة والانفعال السائدين بين عموم المصريين، ويصفون أنفسهم بـ"الواقعية" من حيث الاستعداد لقبول إسرائيل كأمر واقع، ولا يتعاطفون كثيراً مع محنة الفلسطينيين بل يميلون إلى لوم الفلسطينيين أنفسهم على ما حدث لهم! ثم يلقي المؤلف نظرة شاملة على عهد مبارك بأكمله، فيتناول التطور الاقتصادي والسياسي والاجتماعي خلال سني حكمه، مقارناً إياه بما كان قبله، لاسيما أحوال الفقراء والباشوات والطبقة الوسطى، وأحوال المثقفين والصحافة، وتطور الخطاب الديني، ومخطط توريث الحكم قبل إحباطه على يد الثورة... كما يستعرض تحولات العلاقة بين مصر وعمقها العربي، وكيف رضيت بالتخلي عن قيادة الأمة العربية. حين بدأ عهد مبارك عام 1981، يقول المؤلف، بدا وكأن كل المهمات التي عهد للسادات بتنفيذها قد نفذت بالفعل: إحداث الانفتاح الاقتصادي، وتقوية العلاقة مع الولايات المتحدة، وإقامة سلام مع إسرائيل، وفتح مصر للإسرائيليين... ولم يبق إلا تنفيذ "ما يستجد من أعمال". أما المحصلة في بداية العشرية الثانية من الألفية الثالثة، فكانت محنة شاملة يشعر المصريون جميعاً بوطأتها؛ ففي الاقتصاد يشعرون بوطأة البطالة، وارتفاع الأسعار، والفجوات المعيشية، وتردي القطاع الصناعي، وغلبة قطاع الخدمات كمصدر للناتج القومي. وفي السياسة كان يجري تزوير الانتخابات والاستفتاءات، وتنفرد حفنة صغيرة بالقرارات الأساسية والمصيرية... مما أوجد بيئة لتفريخ وإدارة الفساد، تمثلت في تقويض القطاع العام وتصفيته، وفي تردي خدمات التعليم والصحة، وتدهور نوعية الحياة في السكن وتلوث الهواء ومياه الشرب، وزيادة الازدحام المروري، ونمو العشوائيات، وارتفاع أعداد المتسولين وسكان المقابر. وكما يعتقد المؤلف فإن تردي الظروف الإنسانية والطبيعية التي عانها المصريون في عهد مبارك، هو من سمات "الدولة الرخوة"، وهي رخاوة تزايدت مع طول بقائه في الحكم، إذ تسلم الرئاسة والاتحاد السوفييتي لا يزال في عنفوانه، وكانت الحرب الأهلية اللبنانية محتدمة، والملك حسين يحكم الأردن، والأسد يحكم سوريا، وصدام حاكماً مطلقاً للعراق... وجاء ريجان وذهب، وبوش الأب وذهب، وكلينتون وذهب، وبوش الابن وذهب... فيما ظل مبارك ممسكاً بكرسي الحكم إلى أن اقتلعته ثورة الشارع في 11 فبراير الماضي. محمد ولد المنى -------- الكتاب: مصر والمصريون في عهد مبارك المؤلف: د. جلال أمين الناشر: 2011 الناشر: دار الشروق