سجال قوي تشهده محافل التربية والتعليم في دولة الإمارات العربية المتحدة على الأصعدة كافة في التعليم العام والعالي، يتلخص في ترتيب الأولويات في تربيتنا لجيل المستقبل. ففي الممارسات التربوية في بعض جامعاتنا ومدارسنا اليوم نجد أمراً محيراً ، لقد تم استقطاب معلمين وأساتذة جامعيين لا لشيء سوى أن لغتهم الأم هي اللغة الإنجليزية، حتى ولو لم تكن شهاداتهم التي يحملونها مرتبطة بتخصصهم. ففي بعض المدارس اليوم يقوم غير المتخصصين في الرياضيات والعلوم بتدريس المفاهيم العلمية الدقيقية لجيل المستقبل من أبناء الإمارات، وكل ما يميز هؤلاء البشر أنهم ناطقون باللغة الإنجليزية، فهل نحن على استعداد لخسارة العلوم والرياضيات كتخصص أو علم في مقابل أن هؤلاء يتحدثون باللغة الإنجليزية؟ هذا في التعليم العام، أما في التعليم العالي، فواقع بعض الجامعات اليوم أنها تحولت من مراكز للعلم والمعرفة الدقيقة إلى مراكز كبيرة جداً لتدريس اللغة الإنجليزية. فعندما تلتقي بمخرجات تلك الجامعات تجد أن ما يميزهم هو إجادتهم للكنة الأميركية، وقدرتهم الهائلة على محاكاة أهل اللغة الأصليين في الحديث. لكنك لو تعمقت في فكرهم وسألتهم عن تخصصهم لرأيت العجب، فقد مضى عمر هؤلاء النفر وهم يحفظون مصطلحات اللغة الإنجليزية دون عمق معرفي أو وعي بما يدور في قاعة الدرس، وبيئة العمل أضحت كاشفة لهؤلاء الذين قادهم حظهم السيئ في بعض الأوقات إلى العمل مع نفر تعمقوا معرفياً في تخصصهم فانكشفت ضحالة مخرجات بعض هذه الكليات. الأكثر حيرة في هذا الموضوع أن بعض جامعاتنا أصبحت تدرس كل التخصصات تقريباً باللغة الإنجليزية، ففي بعض كليات التربية لدينا، نجد أن المعلمين المتخصصين في اللغة العربية والاجتماعيات والدراسات الإسلامية يدرسون جل تخصصهم باللغة الإنجليزية، وهل هؤلاء القوم بحاجة إلى ذلك المستوى من اللغة الإنجليزية لتدريس اللغة العربية أو الدراسات الاجتماعية. عرضت مقالة باللغة العربية قبل نشرها على إحدى خريجات قسم اللغة العربية في جامعة وطنية لدينا وطلبت منها تصحيح ما كتبت ، فاعتذرت ضاحكة وقالت كل ما درسته باللغة العربية لم يجاوز 10 في المئة من المواد التي درستها، أما باقي دراستي فكانت باللغة الإنجليزية. لست هنا بصدد انكار أهمية دراسة اللغة الإنجليزية، بل إن المنطق اليوم يقول لنا إنها لغة العلم والمعرفة والاقتصاد والسياسة والحياة لمن شاء أن يدخلها من أوسع أبوابها، لكن هناك فرقاً بين دراسة وتعلم واتقان اللغة الإنجليزية وبين الدراسة باللغة الإنجليزية وبالذات لمواد الهوية الوطنية كاللغة العربية والدراسات الاجتماعية. الدراسات العلمية المنشورة في الولايات المتحدة الأميركية تؤكد أن اللغة الأم هي اللغة التي يستطيع العقل البشري أن يتعمق فيها لفهم المعارف الدقيقة، وهي الأداة التي تقود الإنسان للإبداع في جوانب المعرفة المختلفة لذلك صمم اليابانيون والصينيون والروس والألمان والأتراك وغيرهم من الأقوام على التدريس بلغاتهم الأم ، بل إن تجارب بعض الدول كماليزيا مثلاً أثبتت لهم خطورة التدريس باللغة الأجنبية فرجعوا بعد سنوات إلى التدريس بلغاتهم الأم، لأن الحقيقة التربوية تقول لنا إن الإنسان لا يبدع إلا بلغته الأصلية، ويبقى السؤال مطروحاً للنقاش: هل نحن مستعدون لخسارة العلم بسبب اللغة؟