يعد رجوعاً مفيداً إلى الماضي أن يتم من حين إلى آخر التطرق إلى وقائع الحرب الباردة التي هيمنت على الأعوام الخمسين الماضية. ومن المفيد أن يكون الاطلاع العميق على وقائع حرب أميركا ضد الشيوعية من خلال كتاب لشخص بحجم "توماس ريد" الذي ارتقى على سلم المناصب حتى صار من كبار المسؤولين في الإدارة الأميركية أثناء تلك الحرب فتسنت له معرفة بواطن أمورها ووقائعها. وفي كتاب "على حافة الهاوية: تاريخ الحرب الباردة من مُطّلع على الخفايا"، نجد مزيجاً من التاريخ والسيرة الذاتية، وفيه يروي "ريد" سيرة حياته العملية أيضاً ليقدم رؤية بانورامية لمشهد الحرب الباردة التي بدأت بنهاية الحرب العالمية الثانية وانتهت ببداية عهد جديد من العلاقات الدولية في عهد الرئيس "جورج بوش الأب". يخبرنا الكتاب أن مهندس الميكانيك المتخرج بتفوق من جامعة "كورنيل" والمولود عام 1934 بدأ كضابط في سلاح الجو وأجرى الأبحاث على الصواريخ الباليستية لينتقل إلى مختبر "لورانس ليفرمور القومي" حيث قام بتصميم قنبلتين نوويتين حراريتين. وليس غريباً أن يصبح "ريد"، الذي ساعد بالفعل على تصميم قوة الردع النووي الأميركي، وزيراً لسلاح الجو بعد أن شغل في عقد الستينيات مناصب عديدة في حملة الرئيس الراحل "رونالد ريغان" للفوز بمنصب حاكم ولاية كاليفورنيا، وبعد أن شغل منصب مدير الاستخبارات في البنتاغون. ثم أصبح "ريد" مساعداً خاصاً للرئيس "ريغان" لشؤون سياسة الأمن القومي، كما شغل منصب مستشار لرئيس هيئة الأركان المشتركة "كولن باول" في فترة انهيار الإمبراطورية السوفييتية التي كان تتويجها بسقوط العملاق الأحمر في عام 1991.
ومن الطبيعي أن تدعم هذه الخبرة الواسعة مصداقية وجهات نظر "ريد" في أثناء عمله وأن تغني أيضاً كتابه هذا باعتباره كان منخرطاً في أحداث الحرب الباردة ومعنياً بالنزاع الذي خيّم فيه شبح الفناء النووي على العملاقين وعلى العالم. ومن النقاط المهمة أن "ريد" من الأميركيين القلائل الذين ما زالوا على قيد الحياة والذين شاهدوا مشاهدةً مباشرة عملية تفجير قنبلة نووية. وربما أن هذا، على حد قول الكاتب الصحفي الأميركي "جيفري ديوفور"، ما يدفع "ريد" إلى استخدام نعوت من قبيل "مرعب" و"رهيب" و"مخيف" كلما أراد الإشارة إلى الخيار النووي أو الرؤوس الحربية النووية أو حمولات الصواريخ النووية.
وربما نجد في ذلك أيضاً تفسيراً لمواقف "ريد" المتشددة وقلة صبره في التعامل مع الذين كانوا يميلون من وجهة نظره إلى اتخاذ مواقف أقل شدة وعدائية تجاه السوفييت، ويدافعون عن الانفراج بين أميركا والاتحاد السوفييتي. ومن هؤلاء "جيمس بيكر" الذي صار وزيراً للخارجية في إدارة الرئيس "جورج بوش الأب" و"مايك ديفر" مستشار "ريغان"، وحاول "بيكر" و"ديفر" وضع العقبات أمام مساعي المسؤولين المتشددين في الإدارة الأميركية ومنهم "بيل كلارك" المستشار الرئاسي لشؤون الأمن القومي في إدارة "ريغان" و"إدوين ميز" كبير مستشاري الرئيس "ريغان" لشؤون السياسة وعضو مجلس الأمن القومي.
ونعلم من خلال الكتاب أنه لم يكن هناك من يتوقع أن تكون السيدة الأولى حليفاً من داخل البيت الأبيض للمدافعين عن الانفراج في العلاقات السوفييتية- الأميركية. ويصف "ريد" "نانسي ريغان" في كتابه هذا بأنها كانت "محرّضة داخلية في قلب البيت الأبيض". وفي سرد تفصيلي لوقائع مأدبة العشاء التي أقيمت في البيت الأبيض عقب إلقاء الرئيس "رونالد ريغان" لخطاب وصف فيه الاتحاد السوفييتي بأنه إمبراطورية الشر، وهو وصف استهجنته "نانسي ريغان"، يروي "ريد" أن ردّ الرئيس "ريغان" على انتقاد زوجته لاستخدامه ذلك الوصف كان شيئاً مدهشاً، حيث وجّه إليها عنفاً وحماساً شديدين ونادرين فقال لها "بل إنها إمبراطورية الشر، وقد آن أوان إيقافها". ولا شك في أن ذلك موقف يجده المعجبون بالرئيس "ريغان" شيئاً ملهماً يثير الحماس.
على أن كتاب "ريد" لا يقتصر على سرد وقائع التوترات النووية والردع النووي ومواقف الشد والجذب السياسية ما بين مسؤولي الإدارة الأميركية في تلك الحقبة والمواجهات حول مبدأ انفراج العلاقات السوفييتية- الأميركية بين مؤيد ومناهض لها، بل يقدم أيضاً وصفاً منظّماً للحرب الاقتصادية التي شنتها إدارة الرئيس الراحل "ريغان" على الاتحاد السوفييتي، والتي قدّم فيها كل السبل الممكنة لتكون شاملة وبأقصى درجة من الفعالية. ويروي "ريد" أنه أتت في سياق تلك الحرب أعمال تخريب إليكتروني متعمد استهدفت الدولة السوفييتية، حيث سمح الأميركيون بوقوع البرامج والتكنولوجيا المعطوبة في أيدي السوفييت. ويضاف إلى ذلك أن فريق إدارة الرئيس "ريغان" سعى جاهداً إلى تخفيض أسعار النفط على أمل تسريع انهيار الاقتصاد السوفييتي.
ومن الطبيعي أن يكشف مؤلف بحجم "ريد" وخبرته الواسعة عن حقائق حول الحرب الباردة ومنها ما يتم كشفه لأول مرة في هذا الكتاب الذي يعج أيضاً بعدد كبير من الشخصيات السوفيتية التي عرفها "ريد" من خلال عمله.
ومن ذلك أن "ريد" يقدّم أدل