من الجائز أن الضربة الأسوأ لمنظومة القانون والنظام الدولي الهش قد نفـِّذت منذ أشهر، عندما قـُتل في شمال أفغانستان يوم 2 يونيو خمسة أعضاء من منظمة "أطباء بلا حدود". وأعلنت حركة طالبان مسؤوليتها. وعلى رغم ذلك، وبوجود ولع وسائل الإعلام بكل ما يحدث في العراق وبتركيزها على الانتخابات الرئاسية الأميركية، تلقى هذا الحادث اهتماماً ضئيلاً، شأنه شأن الانهيار المطّرد الذي أصاب القانون والنظام في أفغانستان. وفي الواقع أن من الممكن أن يكون لعمليات الاغتيال هذه والانسحاب اللاحق لـ"أطباء بلا حدود" من أفغانستان تأثير واسع النطاق.
ولفهم سبب ذلك، من الضروري أن ندرك أهمية "أطباء بلا حدود" في الشؤون العالمية. لقد أسّس هذه المنظمة الاستثنائية في عام 1971 أطباء فرنسيون لتوفير المساعدة الطبية في وقت الحرب ومناطق الأزمات. وتضم المنظمة الآن 2500 متطوع (منهم الأطباء والممرضون وفنيو الدعم الفني)، وينضم إليهم نحو 15 ألف فرداً محلياً في أنحاء العالم. وتذهب "أطباء بلا حدود" الناشطة في 80 بلداً إلى أماكن يخاف الآخرون دخولها. وباعتبارها واحدة من أوائل المنظمات غير الحكومية التي تدخل مناطق مضطربة مثل غرب السودان، فإن "أطباء بلا حدود" تستقطب اهتماماً دولياً بالأزمات الجارية. وستدخل المنظمة إلى بلدان أخرى بعد انتهاء أعمال القتال لكي تلملم الأشلاء، إن جاز لنا التعبير.
وتحظى "أطباء بلا حدود" بترحيب كل الأطراف في النزاعات أو المجاعات لأن نواياها شفافة جداً وتقتضي إحضار الخدمات الطبية والمواد الغذائية مع تعزيز الصحة العامة. ويصرّح ميثاقها بفخر بأن متطوعيها "يدركون مخاطر وأخطار المهمة التي يقومون بها، وليس لهم الحق في الحصول، لأنفسهم أو للمستفيدين منهم، على تعويضات تفوق حجم ما تستطيع منظمة أطباء بلا حدود تقديمه".
وفي حين أن "أطباء بلا حدود" تكافح لتجنب التحيز، فإنها ملزمة بالحياد السياسي قولاً وفعلاً، شأنها شأن اللجنة الدولية للصليب الأحمر. فمثلاً، حدث في سنة 1999 وهي السنة نفسها التي مُنحت فيها منظمة "أطباء بلا حدود" جائزة نوبل للسلام- أن وجّه رئيس المنظمة مناشدة علنية إلى الرئيس الروسي السابق "بوريس يلتسين" لإيقاف عمليات قصف المدنيين في الشيشان.
وبعد معاناة كثيرة، وقبل اتخاذ قرارها بسحب 80 من متطوعيها من أفغانستان وفصل 1400 من موظفيها المحليين، عملت "أطباء بلا حدود" في ذلك البلد لمدة 24 سنة. وأصبحت المنظمة شهيرة قبل عقود من ذلك بفضل إحضارها الدواء إلى المجتمعات الأفغانية المنكوبة على ظهور الخيول والبغال.
ومن الصعب أن نقرأ حول هذا الانسحاب دون أن نذرف الدموع. فأثناء كتابتي لهذه المقالة، وردت أنباء تفيد بأن "أطباء بلا حدود" ستقلص أعمالها في باكستان المجاورة لمخاوفها من التعرض لهجمات مشابهة. ولذا صار لدينا هنا بلدان فقيران كثيرا السكان وفي حاجة ماسّة إلى العمل غير الأناني الذي تقوم به "أطباء بلا حدود"، ومفروض عليهما أن يعانيا من الهجمات المتطرفة المحسوبة. وهناك منظمات إغاثة أخرى تنظر في الانسحاب من أفغانستان. وعموماً، تم قتل 30 عامل إغاثة في أفغانستان في الأشهر الستة الأولى من هذه السنة. فلماذا لا يمكن أن يكون هذا خبراً يحتل العناوين الرئيسية؟
من دواعي الأسف أن ذلك ليس هو الأسوأ، إذ يشير مصرع أعضاء من "أطباء بلا حدود" وقرارها بالانسحاب من أفغانستان إلى مسألتين كبيرتين تتعلقان بالسلام والأمن الدوليين في القرن الـ21.
ومفاد المسألة الأولى هو ما إذا كانت أية منظمة إغاثة دولية (مكرسة لحقوق الإنسان، وقضايا المرأة، والبيئة، ورعاية الأطفال) وتتخذ من نيويورك أو جنيف أو فيينا أو باريس مقراً لها، قادرة على تفادي الشكوك بأنها ليست إلاّ شكلاً آخر للتدخل الغربي في أرض مضطربة- وبذلك تتعرض للشجب ولهجمات الساخطين. أليس عمال الإغاثة الألمان المتدينون في كوسوفو المضطربة جداً جزءاً من مؤامرة حلف الناتو؟ أليست الأنباء، التي قالت إن "توني بلير" طلب من رؤساء أركان القوات البريطانية أن يُعدّوا خططاً لإرسال قوة طوارئ عسكرية إلى دارفور لوقف الإبادة الجماعية، أليست هذه الأنباء دليلاً آخر على طموحات الغرب الإمبريالية المتواصلة؟
في رأي الكثيرين منا، تبدو هذه الشكوك عبثية. وعلى رغم ذلك، وعندما يعلم المرء بشكاوى "أطباء بلا حدود" من أن الجيش الأميركي خلط على نحو سيئ بين دوره في أفغانستان ودور جماعات المساعدة المدنية- بتوزيعه مواد الإغاثة على المجتمعات التي تقدم المعلومات الاستخباراتية وأيضاً بارتداء عناصره الثياب المدنية- عندئذ لا يمكن للمرء أن يفاجأ تماماً بالرد المحلي حتى إذا كان تنفيذه على يد المتطرفين. ويقودنا هذا إلى السؤال الذي يثير أكبر القلق: هل يمكن للأمم المتحدة والوكالات التابعة لها وتدعمها أن تحافظ على الافتراض الحالي القائل إن من الممكن التفريق بين العمل "القاسي" (فرض السلام وعمليات التخلص من الدول المارقة) والعمل "اللين" (إعادة بناء الاقتصادات ومساعدة ضحايا ا