ستتمتع الألعاب الأولمبية التي ستشهدها أثينا خلال الفترة من 13 إلى 29 أغسطس الجاري بتغطية إعلامية هي من الزخم بدرجة تسمح بمقارنتها بالتغطيات المخصصة لأحداث عالمية أخرى تعد بكل المقاييس أكثر أهمية، وتأثيراً في مصير هذا الكوكب، ولعل حرب العراق والتغطية الإعلامية لها مجرد مثال مما يخطر الآن على الذهن.
وسيتابع مجريات الألعاب الأولمبية جمهور كبير يقدر بـ4 مليارات من مشاهدي التلفزيون عبر العالم، سيوحدهم الشغف بمعرفة كل شاردة وواردة عن نتائج الألعاب، ومتابعتها على الهواء، حتى لو كانت الفروق في التوقيت تفرق بينهم وتجعل مواعيد المتابعة بالنسبة إليهم مختلفة. كما سيشارك في هذه المنافسات 10,500 متسابق، يمثلون 201 من الاتحادات الأولمبية الوطنية في مختلف دول العالم. وهكذا يتضح ما أصبحت الألعاب الأولمبية تتميز به من عولمة وقدرة على التعبير عن هذه الظاهرة العالمية. وللدلالة على ذلك يكفي أن نعلم، للمقارنة فقط، أن أول دورة للألعاب الأولمبية الحديثة جرت سنة 1896 وشهدت مشاركة متنافسين من 13 دولة فقط، في مقابل اتساع العدد الذي نراه اليوم. كما لم يزد عدد الرياضيين المتنافسين أنفسهم، يومذاك، على 285 متسابقاً، وفي تسع رياضات لا غير.
ولعل المشاغل الاستراتيجية والسياسية، لم تكن غائبة عن ذهن بيير دو كوبرتين، حين اتخذ مبادرة بعث الألعاب الأولمبية الحديثة. فقد كان يريد في ذلك الوقت إشاعة نوع من روح المنافسة والتحدي لدى الشباب الفرنسي، على أمل أن يسهم ذلك في جعل فرنسا تلحق بألمانيا، خاصة أن هذه الأخيرة عُرف عنها الاهتمام الشديد بالإعداد البدني لأبنائها، والذي قيل أيضاً إنه كان أحد عوامل انتصارها التاريخي على فرنسا في حرب سنة 1870. ومنذ سنة 1913، أصبح من الأشياء الدارجة أن نقرأ في الصحافة الألمانية، أن :"فكرة إطلاق الألعاب الأولمبية الحديثة ترمز في جذورها وخلفياتها لحرب عالمية لا تعبر عن نفسها بشكل واضح وصريح، ولكنها مع ذلك تجعل أولئك القادرين على قراءة إحصاءات الإنجازات الرياضية يفهمون بالقدر الكافي ترتيب الأمم ومكانتها في هذا العالم".
وفيما بين الحربين العالميتين، أصبحت الألعاب الأولمبية موعداً رياضياً رائعاً، يضمن التلاقي بين شعوب العالم، ويسمح في الوقت نفسه للدول المنظمة بإبراز مدى إنجازاتها التكنولوجية، وقدرتها على التنظيم والتنسيق والإبهار، بشكل جميل واستعراضي.
وما زال هذا البعد السياسي الاستراتيجي للألعاب الأولمبية يصادفنا حتى في فترتنا الحالية، وسنسوق لذلك فيما يلي بعض النماذج. فقد اعتبر الصينيون أن إسناد الألعاب الأولمبية سنة 2000 إلى سيدني بدلاً من بكين كان تعبيراً عن نوع من التنكر لهم وعكس عدم الاعتراف بمكانتهم العالمية، وهي مهانة ربما سيخفف من وقعها على نفوسهم الآن إسناد تنظيم ألعاب سنة 2008 إلى العاصمة الصينية نفسها، وهي خطوة اعتبرها الصينيون في المقابل اعترافاً، حتى لو كان متأخرا بمكانتهم كقوة كبرى في هذا العالم.أما فلسطين التي لم تصبح دولة بعد، فإنها تعد عضواً في اللجنة الأولمبية الدولية منذ عام 1994. وبالنسبة إلى الفلسطينيين فإن المشاركة في الألعاب الأولمبية اليوم تعد في حد ذاتها نوعاً من الاعتراف العالمي بدولتهم، وسيظهر علم دولتهم في أثينا، وسيشارك الرياضيون الفلسطينيون في الاستعراض وهم في ظلال علم بلادهم كغيرهم من أبناء الدول الأخرى، وهذا مكسب في حد ذاته لا غبار عليه. كما سيسير رياضيو تايوان جنباً إلى جنب رياضي الصين الشعبية في الاستعراض ذاته. أما الكوريتان فقد أصبح من المعتاد الحديث عن مساعيهما منذ دورة سيئول للألعاب الأولمبية سنة 1988 من أجل توحيد لجنتيهما الأولمبيتين الوطنيتين، وحتى لو لم تتمكن الدولتان إلى حد الآن من تكوين لجنة أولمبية وطنية موحدة، فإن المسعى في حد ذاته لا يخلو من دلالات ومضامين سياسية. والشاهد أن الرياضة يمكن أن تتقدم في إنجازاتها على الجيوبوليتيكا، ولكن، في مطلق الأحوال، ليس كثيراً جدا، ولا دائماًً.
وخلال صراع الحرب الباردة بين الشرق والغرب، كانت الألعاب الأولمبية متنفساً وحلبة للتعبير عن تناقضات وصراع المعسكرين، فقد دأبت كل من واشنطن وموسكو على النظر إلى ما تحققه كل منهما من ميداليات أولمبية على أنه تعبير عن التفوق على الخصم، ودليل آخر على نجاعة النظام السياسي المتبع وفاعليته. والطريف أن تنافس الشرق والغرب خلال الحرب الباردة كما وقع التعبير عنه في حلبات الألعاب الأولمبية شهد أيضاً تنافساً وصراعا داخله وإن كان ذا خصوصية مميزة، ونعني ذلك التنافس الذي كان قائماً بين ألمانيا الغربية وألمانيا الشرقية السابقة. والشيء نفسه يصدق، وإن من منظور آخر على كوبا، التي طالما فاخرت بأن كل ما تحققه من ميداليات ذهبية كثيرة هو دليل أكيد على نجاح ونجاعة نظاميها التعليمي والصحي المعروفين بالجودة.
و"منذ مشاركتهم الثانية في الألعاب الأولمبية سنة 1956 ظل رياضيو الاتحاد السوفييتي متقدمين بشكل واضح في الميداليات على رياضيي