لقد أمضى المرشح الرئاسي الديمقراطي جون كيري، أحد عشر يوما في تفصيل ووضع أولويات سياساته الخارجية. غير أنه كان صريحا في القول إن إشاعة الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط لن تكون بين أولويات أجندته. لكن من المؤسف ألا يصادف قرار كيري هذا وقته المناسب. ذلك أن هذه هي المرة الأولى، على امتداد نصف قرن كامل من الزمان، التي أصبحت فيها الديمقراطية حديث الساعة في العالم العربي كله. كما أن كيري لم يكن محددا في الكثير من الأهداف التي أعلنها، عدا إعلانه الصريح، عن عدم رغبته في الدفع بعملية الإصلاح في منطقة الشرق الأوسط على حساب " استقراره". ليس ثمة شك في أن كيري يقف إلى جانب الديمقراطية من حيث المبدأ، غير أنها لا تمثل محورا أساسيا لأجندة سياساته الخارجية. ففي تصريح أدلى به لصحيفة "ذي نيويوركر" قال كيري إنه استرشد بنهج و"واقعية" كل من مترنيخ وكيسنجر، كوزيرين سابقين للخارجية الأميركية.
بنظرته هذه، إنما يردد كيري أصداء كل من الرئيس جورج بوش، بل ووالده رتشارد كيري، الذي كان دبلوماسيا، وقد وجه انتقادات لإدارة الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريجان، على ما رآه فيها من ارتكابها "خطأ فادحا" جراء نظرتها لاعتماد الأمن الأميركي، على أوهام ذات صلة بالدعوة لإشاعة الديمقراطية في دول الكتلة السوفيتية. وبالطبع فإنه في وسع "واقعية" كهذه، أن تكون أي شيء آخر، عدا إخفاقها في تقدير القوى والفرص الحقيقية المتاحة، في عالم ذاك الوقت، تماما مثلما تعجز عن رؤية القوى والفرص الملموسة، المتاحة في عالم اليوم. وربما كان منتقدو سياسات الرئيس الحالي جورج بوش، الرامية للدفع بعجلة الإصلاح في منطقة الشرق الأوسط- سيما من جانب القوى السياسية المطوقة في المنطقة- قساة وحادَي النبرة في انتقاداتهم. لكن ومع ذلك، فقد انتقل الحوار حول تحكم الدولة بالصحافة العربية، إلى الصحف الصادرة محليا في الدول العربية نفسها، خلال الأشهر القليلة الماضية، بعد أن كان قاصرا على الصحف العربية الصادرة في دول المهجر، في كل من لندن وباريس.
ثم ماذا عن الحجة القائلة باستحالة "فرض" الديمقراطية من الخارج؟ فقد عصف بهذه النصيحة اليائسة مقال أخير، للعالم الفلسطيني داوود كتاب، نشر في صفحات صحيفة "الحياة" اللندنية، قال فيه إن الديمقراطيين العرب، قد عجزوا عن تحقيق أهدافهم عبر وسائلهم وجهودهم الخاصة، وإن عليهم الآن الترحيب بالدعم المقدم لهم من خارج حدود بلادهم، بصرف النظر عن الجهة المقدمة لذلك الدعم. أما نجيب محفوظ، الروائي المصري الحائز على جائزة نوبل للآداب، فمضى أبعد من ذلك، في تصريح له لصحيفة "الأهرام" وهي كبرى الصحف المصرية، قال فيه إن تأجيل المضي قدما في الإصلاح، سوف يكون"لعبا بالنار" على حد قوله.
في غضون ذلك، يخشى كيري ومعاونوه، من ذلك التغيير الذي يأتي مندفعا وسريعا، حاملا معه " العنف والقهر" كما جاء على لسان جوناثان واينر، أحد معاوني كيري القدامى، من أعضاء لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ. بيد أن الديمقراطيين العرب ومؤيديهم في الخارج، ربما يدفعون بالقول إن العالم العربي لا ينقصه عنف ولا قهر مثلما هما حادثان الآن. وعليه فإن في بطء التغيير، خطر وأي خطر على المنطقة. ومما لا شك فيه أنه يصعب جدا العثور على "ثمار" الاستقرار في المنطقة، وفقا لتقرير "التنمية البشرية العربية " الأخير، الذي أصدره برنامج التنمية التابع للأمم المتحدة. فالتقرير المذكور، يصف الشرق الأوسط ومنطقة شمال إفريقيا، بأنهما الأدني تحررا سياسيا على نطاق العالم بأسره. كما يصف التقرير منطقة يبلغ عدد الأميين بين راشديها 65 مليون نسمة، يقارب الثلثين بينهم من فئات النساء، علاوة على أن واحدا بين كل خمسة من السكان، يعيش على دخل يومي لا يتجاوز دولارين أميركيين!
في الوقت ذاته، فإن العرب، شرعوا يتعرفون أكثر فأكثر، على العالم من خلال وسائل الإعلام الإلكترونية. وعلى الأرجح فإن حنقهم سيزداد أكثر من ذي قبل، على تدني وضعهم في ظل اقتصاد العولمة الذي يكتسح العالم اليوم. ولمن يريد أن يرى، فإنه لن يكون بحاجة لأن يجهد نفسه كي يرى مثل هذه القوى في تمثلها العيني على الأرض، أو أن ينفذ إليها من خلال نوبات الغضب الأعمى للجماعات الراديكالية المتطرفة. كما أنه ليست هناك ثمة حاجة للشك، في أن استمرار ذلك النوع من "الاستقرار" الذي أغرق سياسات المنطقة واقتصادها في بركة من الركود الآسن، على امتداد الأربعة عقود الماضية، لن يزيد الوضع إلا سوءا.
على المستوى النظري، فإن تلك الخطة الواسعة الخاصة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، التي أعلن عنها الرئيس بوش في اجتماع قمة الدول الثماني الكبرى، المنعقدة في شهر يونيو الماضي، كانت تهدف في الأساس للتصدي لجذور العنف والإرهاب في المنطقة. بيد أن تلك المبادرة لم تكن سوى تهليل فاتر للديمقراطية العربية، لم تتبعها إدارة بوش بجهود جادة وحقيقية -حتى ولا في حدها المتوسط- كما توقع الكثيرون. وفيما لو كان الدعم الأميركي للديمقراطية،