لا جدال في أن خفض معدلات الكولسترول في الجسم ينقذ حياة الأفراد. وكانت لجنة من الخبراء الأميركيين الأعضاء في الجمعية الأميركية لأمراض القلب، وكذلك ممثلون للبرنامج الحكومي"البرنامج التعليمي القومي للكولسترول" قد أجازوا توصية باتباع نظم علاجية أكثر فاعلية في التعامل مع المرضى الذين يعانون من ارتفاع معدل الكولسترول لديهم. وليس لي أدنى اعتراض على هذه التوصية. فالتشخيص سليم، غير أن الوصفة العلاجية الموصى بها، لم تكتمل بعد. فالشاهد أنه سوف تتم التوصية للملايين من المصابين الأميركيين بعلاجات وعقاقير طبية خافضة لنسبة الكولسترول في الدم، كان في وسع الكثيرين منهم، تفاديها فيما لو اتبعوا أسلوب تغذية وطريقة في الحياة، ستعود عليهم بالنفع الصحي، أكثر مما أوصت به اللجنة المشار إليها آنفا في صدر هذا المقال.
وبما أن العام الماضي وحده شهد إنفاق ما يزيد على 20 مليار دولار على مثل هذه العقاقير داخل الولايات المتحدة، فإن ذلك يشير إشارة واضحة,إلى مدى تزايد عدد الأميركيين الذين يعانون من ارتفاع نسبة الكولسترول على المستوى القومي. ومما لا شك فيه أن علاجات "ستاتين" التي منها عقار "لبتور" المعروف، تعد عقاقير طبية فاعلة ومجربة، في خفضها لنسبة الكولسترول في الدم. بل إني أوصي بها لمرضاي، عندما تشير إلي المعدلات بضرورة استخدامها. مصداقا لذلك، فقد أكدت العديد من الاختبارات والتجارب التي أجريت على هذه العقاقير، أنها قادرة على خفض معدلات الإصابة بالنوبات القلبية، والحيلولة دون حدوث حالات الوفيات المبكرة، علاوة على أنه من المحتمل أن تكون لها فوائد طبية إضافية.
لكن وبما أن لكافة العقاقير الطبية سلبياتها المتمثلة في ارتفاع تكلفتها، وما لها من مضاعفات جانبية على صحة المرضى، فإنه في الإمكان تحقيق الأهداف الطبية نفسها، عن طريق إحداث تغيير في نمط التغذية وأسلوب الحياة لدى هؤلاء الذين يشكون من ارتفاع معدلات الكولسترول. وما إن يبدأ الملايين بتعاطي العقاقير الخافضة للكولسترول على امتداد عدة عقود مقبلة، حتى تبدأ المضاعفات الجانبية لهذه الأدوية بالظهور تدريجيا، سواء كان المعلوم منها أم المجهول. نذكر بهذه المناسبة أن عقار "بايكول" وهو أحد عقارات "ساستين" المستخدمة للغرض نفسه، كان قد سحب من الأسواق والصيدليات في عام 2001، للتأكد من تسببه لمضاعفات سمية لدى متعاطيه. مقابل ذلك، وبديلا طبيعيا له، فما من تكلفة البتة، في أن يأكل الإنسان طعاما مغذيا وصحيا، وأن يتحرك ويتفاعل اجتماعيا، وأن يقلع عن التدخين. حتى الآن فإن المضاعفات الجانبية الوحيدة المعروفة لمثل هذا السلوك، هي الفائدة كل الفائدة لصحة الأفراد وحياتهم.
لكي لا نظلم اللجنة المذكورة، فهي أيضا أوصت بتغيير النظام الغذائي ونمط الحياة، كخطوة أولية لدى بعض الأفراد. غير أن الوجبة الغذائية التي أوصت بها اللجنة، ليس لها تأثير يذكر على خفض معدلات الكولسترول. فالمعروف أن هذه المعدلات لا تنخفض إلا بنسبة 5 في المئة فحسب، لدى الغالبية العظمى من المرضى. ولمعرفتها الضمنية بهذه الحقيقة، فقد أوصت اللجنة بأن يتناول الراشدون الذين تصل معدلات الكولسترول لديهم درجة الخطورة -وهو المعدل الذي تتجاوز فيه نسبة الكولسترول حد 100 م/ dl- ويشمل غالبية الراشدين الأميركيين المصابين تقريبا- الأدوية والعقاقير الطبية الخافضة لنسبة الكولسترول مباشرة وقبل أن يعرف ما إذا كان للنظام الغذائي الذي سوف يتبعه هؤلاء، أي فائدة في خفض تلك المعدلات أم لا.
يذكر أيضا أن التوصية النهائية للجنة في الاتجاه نفسه، شملت بالتوصية الأخيرة ذاتها، حتى أولئك الذين تصل لديهم نسبة الكولسترول إلى 70 م/ dl، وهي نسبة تعد خطيرة كذلك. ولكن السؤال الذي لا بد من إثارته، هو لماذا لم تعط اللجنة المذكورة، اهتماما للخيارات الطبيعية المتمثلة في تغيير النظام الغذائي لهؤلاء المرضى، وكذلك تغيير نمط حياتهم؟ نثير السؤال بهذا الإلحاح، ونحن ندرك أن الخيار الأخير هو الأسهل والأكثر أمنا وسلامة، فضلا عن كونه خيارا متاحا للغالبية العظمى من المرضى، إن لم يكونوا كلهم. كما يستمد السؤال منطقيته ووجاهته من كون الخيار الطبيعي، يمثل بديلا ممكنا لخيار تعاطي الأدوية والعقاقير الطبية الخافضة للكولسترول مدى الحياة.
الإجابة عن السؤال في تقديري أن لدى اللجنة قناعة راسخة، بأن المرضى لن يلتزمو بتغيير نمط حياتهم ونظام تغذيتهم. ولكن الصحيح هو أن نعطى المرضى الفرصة الكافية، والحق في أن يحققوا ذواتهم ويُبدو المزيد من الاهتمام والحرص على سلامتهم وصحتهم. في وسع الطبيب المعالج أن يقول في مثل هذه الحالات لمرضاه مثلا: إنني أعلم أنك لن تغير نمط حياتك ونظام غذائك، وفي هذه الحالة فالخيار متروك لك، أما أنا فليس أمامي خيار آخر سوى إبقائك على نحو مستمر في حالة تناولك للعقاقير الطبية التي أوصي بها لك. فهل هذا يريحك ويروقك؟ وفيما لو فشل المريض في تحقيق النتيجة المرجوة بواسطة الخيار الطبيعي، فإن لدى الطبيب الخيار الآخر