في الحقيقة أن كافة دول العالم تهدف إلى تحقيق الأهداف الاقتصادية العامة والثابتة التي يتفق عليها علماء الاقتصاد، والمتمثلة في تحقيق معدلات عالية للنمو الاقتصادي، ونمو متوسط دخل الفرد، وتحقيق معدلات عالية من التشغيل لكافة عناصر الإنتاج، وتحقيق مستوى جيد في عملية تخصيص الموارد الاقتصادية، وتحقيق مستوى جيد من العدالة في توزيع وإعادة توزيع الدخل القومي، وتحقيق مستوى جيد من الأمن الداخلي والخارجي، وتحقيق مستوى جيد من الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية، وحماية البيئة، وانخفاض كل من معدلات البطالة والتضخم النقدي، وانخفاض الجريمة، وكافة المشاكل الاقتصادية. بيد أن عملية تحقيق تلك الأهداف تعتبر نسبيةً وتختلف من دولة إلى أخرى ومن زمن إلى آخر، بل إنها تختلف وتتباين حتى داخل أقاليم الدولة الواحدة. حيث تزداد نسبة نجاحها وتحققها في الدول التي تكون فيها مقومات التنمية ودعائمها الاقتصادية ناضجة، والتي تأتي على رأسها البنية الأساسية للاقتصاد بكافة أبعادها ومفاهيمها الاقتصادية والإدارية والأمنية والسياسية والتكنولوجية. وبما أن المجتمع الدولي يصنف الإمارات ضمن الدول النامية، يصبح من الضرورة قياس ماذا حققت هذه الدولة من تلك الأهداف الطموحة؟ ولماذا تميزت على غيرها من البلدان النامية، حتى تلك الدول التي تشبه ظروفها إلى حد كبير ظروف الإمارات، بل لماذا تميزت على الكثير من الدول النامية التي تملك الموارد الاقتصادية ومقومات التنمية الاقتصادية التي تفوق ما تملكه الإمارات؟ وكيف نستطيع المحافظة على ما تحقق من إنجازات وتنميته وتطويره من أجل الأجيال القادمة؟
وفي إطار تقويمنا لما تم إنجازه من تنمية اقتصادية واجتماعية شاملة وما تم بالفعل تحقيقه من أهداف، لابد لنا من الأخذ بعين الاعتبار كافة الظروف المحلية والإقليمية والدولية، وكافة المتغيرات والأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية والاستراتيجية التي مرت بها الدولة خلال الفترة محل التقويم، ومعرفة مدى تأثير تلك الظروف والمتغيرات على مسيرة التنمية الاقتصادية وأبعادها، حيث إن الدول التي تمتلك موارد اقتصادية مثل النفط الخام والغاز الطبيعي تظل دائماً محل أطماع من الدول الأجنبية مما يؤدي بدوره إلى مضاعفة الجهود لحماية تلك الثروات. وفي هذا الإطار وبهذه المعايير التي ذكرناها يصبح تقويم مسيرة التنمية الاقتصادية وأبعادها في دولة الإمارات منظوراً إليه نظرةً علمية حيادية موضوعية بحتة.
وفي حقيقة الأمر يلعب البعد الاقتصادي، بكل مفاهيمه بدءاً من النظام الاقتصادي ذاته ومروراً بكل ما يحتويه من أنظمة وإجراءات وتشريعات ومؤسسات، يلعب دوراً رئيساً بالغ الأهمية في تشكيل كينونة أية دولة ودورها وأهميتها في المجتمع الدولي. ومن هذا المنطلق فإننا لو نظرنا إلى مجتمع الإمارات خلال الفترة التي سبقت الاتحاد لوجدنا أن البعد الاقتصادي قد لعب الدور الأبرز في تشكيل كينونته. حيث تم تميز مجتمع ما قبل الاتحاد بقسوة البيئة البحرية والجبلية والصحراوية، غير أن إنسان الإمارات تكيف وتأقلم معها بالطبع حيثما شاء له ذلك، وطوعها أيضاً لتناسبه حيثما شاء له أن يطوعها كذلك. ورغم سيادة الأنشطة الاقتصادية المتنوعة في عصر ما قبل الاتحاد وسيادة البيئة الاجتماعية النموذجية التي حوت كل صور الترابط والتآلف والتراحم والتعاون والتكاتف والأخوة والمحبة والإيثار، إلا أننا لا ننسى أيضاً وجود المعاناة التي كان يعانيها السكان وبشكل واضح نتيجةًً لغياب كينونة الدولة النظامية وما يرتبط بها من أنظمة سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية وما يرتبط بها من خدمات اجتماعية واقتصادية وتربوية وتعليمية وصحية وأمنية، حيث كان المجتمع يفتقر حتى إلى الحدود الدنيا لها والتي كانت بالفعل تنعم بها كثير من أمم العالم المجاورة والبعيدة.
في الحقيقة أن هذه الظروف خلقت تهيئة معنويةً نفسيةً وروحيةً ووجدانيةً، وخلقت قناعات لدى كل من الشعوب والحكام بضرورة تكوين دولة واحدة تهدف إلى لم شمل الإمارات والقبائل والجماعات المتفرقة تحت ظل قيادة واحدة، وتسخير الموارد الاقتصادية والإمكانيات المتاحة في المجتمع لتحقيق مستوىًً واعد من التنمية الاقتصادية بحيث ينعم الجميع تحت ظل هذه الدولة النظامية المنتظرة.
وفي إطار المفهوم العلمي للتنمية الاقتصادية الشاملة والمتوازنة والعادلة قطاعياً وجغرافياً، نرى أن مفهوم التنمية الاقتصادية هو مفهوم ديناميكي مرن يتغير من مجتمع إلى آخر ومن زمن إلى آخر وذلك بحسب تغير الزمان والمكان وتغير أهداف المجتمعات وتطلعاتها المستقبلية وظروفها. بيد أن مفهوم التنمية الاقتصادية الشاملة تبقى له ثوابت راسخة، وذلك على الرغم من مرونته التي أشرنا إليها، وتتمثل تلك الثوابت بالأهداف التنموية العامة التي تتطلع إليها كافة الدول، والتي سبق توضيحها. وبالتالي فإن المستوى الفعلي للتنمية الاقتصادية المتحققة يمكن قياسه بنسبة تحقق تلك الأهداف فهي المعيار العلمي المستخدم للقياس.
مفهو