تحت ظل شجرة وسط الرمال الصحراوية الواقعة خارج مدينة الفاشر في ولاية دارفور، جلس موسى الخبير القرفصاء، وهو مرتدياً جلابيته وعمامته البيضاء، بينما أحاطت به مجموعة من حرسه الخاص وأتباعه، من المسلحين، المتحفزة بنادقهم لأي طارئ ربما يطرأ لزعيمهم أو يهدد حياته. ذلك أن السيد الخبير هو رجل مطلوب القبض عليه، لكونه زعيماً لمليشيات الجنجويد. وكما نعلم فإن المجتمع الدولي يوجه الاتهام لمليشيات مثل هذه، ناسبا إليها شن حرب بالوكالة عن حكومة الخرطوم، ضد المجموعات والقبائل الإفريقية المتمردة في الولاية.
فإثر مضي 17 شهراً على هذا النزاع، أسفرت المواجهات الدامية عن مصرع ما يزيد على 300 من مواطني الولاية، إلى جانب تشريد ما يزيد على مليون آخرين من بيوتهم وقراهم وديارهم. كما أفرزت مليشيا مثل تلك التي يقودها موسى الخبير، الأساطير الثلاث المرتبطة بإحدى أكثر الكوارث والأزمات الإنسانية التي شهدها المجتمع الدولي مؤخراً. أولى هذه الأساطير أن الجنجويد هم المصدر الوحيد للمشاكل والأزمات في الولاية، وأنهم يحاربون بالوكالة عن حكومة الخرطوم. وثانية الأساطير، هي أن القتال إنما تشنه المجموعات والقبائل العربية ضد المجموعات العرقية الإفريقية. والثالثة والأخيرة: أن في وسع الحكومة المركزية في الخرطوم أن تضع حداً فورياً لذلك النزاع متى شاءت. وإلى حين يضع المجتمع الدولي جانباً هذه النظرة التبسيطية لما يجرى في الإقليم، فما من أمل في بزوغ حل مستديم للنزاع المذكور.
كما نعلم، فقد أدانت الولايات المتحدة الأميركية في يوليو الماضي، حكومة الخرطوم، متهمة إياها بالضلوع في عمليات التطهير العرقي في دارفور، بينما صوت مجلس الأمن الدولي، الأسبوع الماضي، على قرار أعطى حكومة الخرطوم، مهلة شهر واحد لا أكثر، لتجريد المليشيات المسلحة من أسلحتها. وفي المنحى ذاته، ورد على لسان كولن باول وزير الخارجية الأميركية قوله: لما كانوا هم الذين أشعلوا فتيلها، فهم القادرون على إطفائها بالقدر نفسه. وفي ذلك القول، تلخيص للرؤية الدولية لما يجري في دارفور. وربما يكون واضحاً بالنسبة لواشنطن أن حكومة الخرطوم هي التي تمسك بمفاتيح النزاع الدائر في الإقليم. غير أن الواقع يشير إلى شيء آخر، لمن يذهب للإقليم بنفسه، وينظر إلى الأحداث عن قرب. فالأمر ليس على تلك البساطة التي تراه بها واشنطن. على سبيل المثال، فإن السيد موسى الخبير، ينفي أن تكون قواته قد دخلت في تحالف مع أي كان. بل إنه مضى أبعد من ذلك للقول: "نحن لسنا مع الحكومة.. كما أننا لسنا مع المتمردين". ثم أردف قائلا:"نحن في الجحيم، ونسعى للحصول على ما هو مستحق لنا". وأوضح الخبير موقفه بقوله، لقد ظللنا نخوض حربا على امتداد خمسة وعشرين عاماً ضد الحكومات السودانية المتعاقبة، التي فشلت جميعها، في أن توفر لمواطنينا ما يستحقونه من رعاية لائقة بهم كمواطنين. وعلاوة على ذلك، فإن مجموعة السيد الخبير، تضم بين قواتها مقاتلين ينتمون إلى المجموعات العربية والإفريقية على حد سواء. وعلى الرغم من أن الخبير نفسه، داكن البشرة، ومن الذين ينتمون إلى قبائل "البرتي" في الإقليم، إلا أنه يصف نفسه على أنه عربي.
كل هذا يشير إلى أن الأزمة التي يعيشها إقليم دارفور، إنما هي أزمة ناشئة عن حالة من عدم الاستقرار الوطني الإقليمي، وهي ذات أبعاد دولية، بقدر ما هي محلية كذلك.
ثم إن "حركة العدل والمساواة" وهي من أكبر حركات التمرد في الإقليم، يقال إنها تحظى بمساندة حسن الترابي، الزعيم المعارض لحكومة الخرطوم. ومن جانبها تقول الحكومة المركزية إن الحركة الأخيرة تتلقى الدعم والمؤن والذخائر من بعض العناصر المؤيدة لها في الجارة تشاد. وبالفعل فقد تم إلقاء القبض على الكثيرين من المتمردين، وبحوزتهم أوراق سفر وأسلحة تشادية. أما حركة التمرد الثالثة "الجيش الشعبي لتحرير السودان" فيقال إنها مدعومة من قبل الجارة الشرقية إريتريا، التي تعد نفسها من دول المنطقة التي تعاني من حالة داخلية من القلاقل وعدم الاستقرار. وحتى العام الماضي، كانت هذه المجموعة الأخيرة تعرف باسم "جبهة تحرير دارفور" وهي الجبهة المعروفة بتمردها النسبي على الحكومة المركزية، على امتداد عدة عقود خلت.
وما أن شنت هذه المجموعات المتمردة هجوماً ضارياً على أهداف مدنية وعسكرية في الإقليم العام الماضي، حتى شرعت حكومة الخرطوم- تحت تأثير المفاجأة والضربة المباغتة- في حشد المليشيات العربية، مستخدمة إياها خطاً دفاعياً لها هناك. ولما كانت هذه هي الوضعية التي أعطيت للمليشيات هذه، فها هي شرعت تطالب الآن بنيل ثارات قديمة مضت عليها عدة عقود من الزمان. ورضوخاً منها للضغوط المتزايدة التي يمارسها عليها المجتمع الدولي، فقد تعهدت حكومة الخرطوم بتجريد المليشيات- مثل تلك التابعة للزعيم موسى الخبير- من أسلحتها. بل قدم بعض عناصر الجنجويد الذين تم إلقاء القبض عليهم، للمحاكمات وصدرت بحقهم الجزاءات والأحكام، بما في ذلك الحكم بالإعدام على البعض منهم.