جاءت الانتخابات التونسية في 23 أكتوبر المنصرم لتصحح، على الصعيد العربي العام، مسارين اثنين: الأول: معالجة بعض التبرم الذي يشعر به الكثير من التونسيين تجاه أشقائهم العرب، فالحقيقة أنهم أول من قاموا بالثورة وأجبروا رئيسهم على الفرار، وبالتالي فإنهم بالفعل رواد ما يسمى الآن الربيع العربي، ومع ذلك شعر التونسيون أن الإعلام العربي انجذب أكثر نحو التركيز على التجربة المصرية التي جاءت بعد الحدث التونسي بحوالي شهر، حتى لو استثنينا سيطرة الأنباء على الساحة الليبية أو السورية. باختصار فإن ما يقوله زملائي وزميلاتي في تونس، والذين ألتقي بهم في كثير من المؤتمرات، هو أن ثمة بعض الشعور بخيبة الأمل لإهمال الدور التونسي الريادي في تدشين الربيع العربي، والواقع أن لهم مطلق الحق في هذا الشعور. الثاني: جاء إعلان نتائج الانتخابات المذكورة ليعيد لتونس بعض ما تستحقه من فضل الريادة، فرغم بعض الاحتجاجات التي جرت في سيدي بوزيد -مدينة الشاب محمد البوعزيزي الذي أضرم النار في نفسه وأشعل الثورة- إلا أن الانتخابات التونسية اتسمت بالهدوء النسبي والشفافية وبالحماس الشديد للمشاركة فيها، فقد شارك في التصويت حوالى 78 في المئة ممن يحق لهم التصويت، وهو رقم مرتفع للغاية، ليس فقط مقارنة بنسبة المشاركة في النظام السابق، ولكن أيضاً مقارنة بأكثر الدول عراقة في الديمقراطية، في أوروبا وأميركا. وبالتالي فإن للتونسيين مطلق الحق في الشعور بالفخر على هذا الإنجاز في "عودة السياسة" من أوسع أبوابها والشعور بالمسؤولية في المشاركة. لكن شعور التونسيين بالريادة لا يقتصر فقط على إجراء الانتخابات في فترة مبكرة وبهذه الشفافية، بل أيضاً تنطبق هذه الريادة على نتائج هذه الانتخابات، وفي الواقع فإن هذه النتائج تستحق وقفة للنظر والتحليل. فطبقاً للنتائج التي أعلنتها اللجنة المستقلة للانتخابات يوم الخميس 27 أكتوبر، جاءت "النهضة" في المقدمة، حيث فازت بـ 90 مقعداً من أصل 217 مقعداً في المجلس التأسيسي، بينما جاء في المرتبة الثانية حزب "المؤتمر من أجل الجمهورية" الذي حصل على 30 مقعداً، أي ثلث مجموع المقاعد الذي حصل عليه حزب "حركة النهضة". وأكثر من ذلك فإن عدد مقاعد حزب "النهضة" هو أكثر من كل مقاعد الأحزاب العلمانية اليسارية، والتي حصلت مجتمعة على 73 مقعداً فقط، منها 30 مقعداً لـ"المؤتمر من أجل الجمهورية"، و21 مقعداً لـ"التكتل الديمقراطي"، و17 مقعداً لـ"الحزب الديمقراطي التقدمي"، و5 مقاعد لـ"القطب الديمقراطي الحداثي"، أي أن هذه الأحزاب الرئيسية الأربعة حصلت على أقل من 80 في المئة مما حصل عليه حزب "حركة النهضة" وحده. فما دلالات هذه الأرقام بالنسبة للعملية الانتخابية التونسية، ولمستقبل تونس ذاتها، ثم لمستقبل "الربيع العربي" والمجتمع العربي بأكمله؟ كما نعرف فإن حزب "حركة النهضة" يمثل التيار الإسلامي في تونس، لكن حتى قبل أن يُغيِّر اسمه من "حركة الاتجاه الإسلامي" إلى "حركة النهضة" سنة 1988، فإنه كان متميزاً عن التيارات الإسلامية المحافظة في المشرق والمغرب، بما فيها جماعة "الإخوان المسلمين"، بل إن رسالته كانت أثناء الانتخابات وحتى بعدها رسالة "سياسية" أكثر منها أيديولوجية، وهي تختلف جذرياً عن رسالة "الإخوان" وعن شعارهم "الإسلام هو الحل". كما أصر زعيمه التاريخي راشد الغنوشي، قبل وبعد إعلان نتائج الانتخابات، على الإسلام الوسطي المعتدل، واحترام "الصيغة المدنية للدولة، وسيادة الشعب وقاعدة التداول على السلطة"، وتعهد بأن يحكم الحزب في إطار التعاون مع كل القوى الديمقراطية التي عارضت نظام بن علي. كما حاول الحزب طمأنة القوى السياسية المختلفة، فأكد أن كتابة الدستور ستتضمن حماية الحريات، بما فيها حرية المعتقد، والحريات الفردية، بما فيها مكانة المرأة في المجتمع. وفي هذا يذهب حزب "حركة النهضة" إلى أبعد مما أعلنه "حزب التنمية والعدالة" في تركيا بقيادة أردوغان. وستبين لنا الأيام القادمة ما إذا كان حزب النهضة بفئاته المختلفة قادراً على مقاومة الدعوة في كل حزب ذي توجه إسلامي إلى تطبيق الشريعة كنظام قانوني، ثم تداعيات ذلك على علاقة الحزب بالأحزاب الأخرى، وبالعملية السياسية في تونس ما بعد بن علي، بل ومستقبل المجتمع التونسي بجميع أطيافه. ويمكن أن نستخلص من حاضر الانتخابات التونسية ثلاث خصائص أساسية قد تبين خريطة تقريبية لمستقبل الربيع العربي، وذلك بالرغم من خصوصية الحالة التونسية: الأولى أن التيار الإسلامي جزء لا يتجزأ من العملية السياسية في المنطقة العربية، لكنه لكي "يحكم" يجب أن "يتعلم السياسة" بدلاً من أن يصر على خط أيديولوجي جامد، بمعنى أنه يجب أن يعرف كيف يتحاور ويتجاوب مع القوى السياسية الأخرى في المجتمع. والثانية أن نجاح هذا التواصل والتحاور سيؤدي إلى تقليل شرذمة الحياة السياسية، فقد كان في تونس عشية الانتخابات 116 حزباً و1400 قائمة مستقلة، وتم اختزالها بعد الانتخابات في 5 أحزاب فقط، واندثرت قوائم المستقلين بما فيها بعض الشخصيات التاريخية. أما الثالثة والأخيرة فهي أن أحد أسباب هزيمة القوى الديمقراطية واليسارية هو تفرقها وانقسامها إلى أحزاب مختلفة، مما أدى إلى توزع وتشتت أصواتها، وبالتالي زاد من قوة التيار الإسلامي.