أثارت صفقة تبادل الجاسوس الإسرائيلي "آيلان جرابيل" مقابل 25 مصرياً سجيناً في إسرائيل، ردود فعل متناقضة في كل من مصر وإسرائيل، ولم يتوقف تأثير الصفقة عند هذا التناقض بل تعداه إلى فتح تكهنات أوسع تتجاوز حدود الصفقة المعلنة، إلى الحديث عن جوانب سرية تحقق لمصر الحصول على مكاسب عسكرية كبرى تتمثل في موافقة الولايات المتحدة على إمدادها بطائرات إف 16، التي كانت ترفض الإمداد بها من قبل، وتحقق للفلسطينيين انفراجة في العملية السلمية. وعندما طلب مني الإدلاء برأيي في الصفقة في قناتين تلفزيونيتين مصريتين، قلت إنني لا أعتقد أن السلطات المصرية الحالية قد وافقت على ثمن بخس للجاسوس الذي تواجد وسط المظاهرات أثناء ثورة 25 يناير وحرض على القيام بأعمال فوضوية واندس وسط المتظاهرين المصريين ودخل بيوتهم وصلى معهم في الأزهر وجمع مادة واسعة عن طبيعة الثورة والشخصيات الفاعلة فيها، ودوافع الشباب المشارك في أنشطتها. إذن من الصعب عليَّ أن أتصور أننا وافقنا على مبادلة هذا الجاسوس بخمسة وعشرين مسجوناً جنائياً من مجموع 79 مسجوناً مصرياً في السجون الإسرائيلية. وفي ضوء معرفتي بالعقيدة الوطنية للمجلس العسكري الحاكم وللحكومة الانتقالية، فإن تقديري يقوم على أن المعلن هو الجزء الظاهر من جبل الصفقة بينما الجزء الأكبر مخفي تحت سطح الماء كجبال الجليد. لقد أشارت الصحف الإسرائيلية نقلاً عن جنرال مصري، إلى أن هناك إنجازات حققتها الصفقة لمصر، وستبقى طي الكتمان لمصلحة الأمن القومي المصري. ومع ذلك فقد سربت "يديعوت أحرونوت" خبر موافقة أميركا على تزويد مصر بطائرات إف 16، وأشارت مصادر أخرى إلى موافقة أميركا على إعادة النظر في ديون مصر لتخفيضها، وأشارت صحيفة "يسرائيل هيوم" اليمينية والمقربة من حكومة نتنياهو إلى أن الصفقة شملت إفراج الولايات المتحدة عن الجاسوس الإسرائيلي المسجون في أميركا بتهمة التجسس لصالح إسرائيل، جوناثان بولارد مما يمثل انتصاراً للحكومة الإسرائيلية مقابل قيامها بإجراءات تؤدي إلى دعم عباس، من أهمها الإفراج عن عناصر من أسرى "فتح" ضمن المرحلة الثانية من صفقة شاليط والإعلان عن تجميد مؤقت للاستيطان يؤدي إلى مواصلة مفاوضات السلام المجمدة مع السلطة الفلسطينية. ما زلت أتصور أن الصفقة تتجاوز حدود المعلن، وهو ما جعل معارضتها سواء في إسرائيل أو في مصر مسألة هامشية. فقد حاول بعض الإسرائيليين عن طريق المحاكم، الاعتراض على إطلاق بعض السجناء المصريين وعلت أصوات منظمات أهلية في مصر تعتبر الصفقة فاشلة لعدم إطلاق جميع السجناء المصريين في السجون الإسرائيلية. هذه الاعتراضات قابلتها حالة ترحاب بين أبناء سيناء الذين ينتمي السجناء إليها وحالة ارتياح في إسرائيل. وفي تقديري أن باقي السجناء المصريين سيطلق سراحهم في صفقة مقبلة يتم فيها إطلاق سراح الجاسوس الإسرائيلي المحبوس في مصر "عواد ترابين"، وهو ما يعني أننا أمام سلسلة صفقات بدأت بالجندي شاليط، تحقق لأميركا وإسرائيل ومصر والفلسطينيين مكاسب مشتركة.