يُظهر القبض على القذافي في ليبيا وقتله، والمظاهرات المستمرة لإنهاء حكم صالح في اليمن وبشار في سوريا، والانتخابات الجديدة في تونس أن هناك شيئاً واحداً لم يتغير في "الربيع العربي"، ألا وهو التغيير نفسه. يثبت التغيير، حتى في الدول العربية الأخرى حيث الطلبات بالإصلاح لم تنادِ بتغيير النظام، أنه أمر لا مناص منه. وفي إطار الاهتمام العالمي بتطورات الربيع العربي، فإن هذا الاهتمام لم يتجه فقط صوب التغييرات السياسية في هذه الدول، وإنما كذلك على ما تعنيه هذه التغييرات للمرأة في هذه المنطقة. كنا أنا زميلتي، خبيرة الثقافة السكانية المصرية "ياسمين مول" نتحدث مؤخراً عن إحباطاتنا بهذا الأسلوب في تأطير هذه القضايا، حيث يبدو أن معنى هذه التغييرات بالنسبة للمرأة مختلف إلى حد ما عن معناه للرجل، بأن المرأة هي عرض جانبي لحدث الرجل الرئيسي، وأن الثورات يدفعها الرجل بشكل متأصّل ويسيطر عليها، بينما تُترك المرأة لتلعب في أفضل الحالات أدواراً مساعدة. يقترح التركيز على "حقوق المرأة" و"قضايا المرأة" أن المرأة تشكل فئة منفصلة لا علاقة لها بالقضايا الوطنية. وعندما يتم تعريف القضايا على أنها تتعلق بالمرأة فقط، يصل العديد من الرجال إلى نتيجة أنه لا سبب لديهم للقلق حولها، وأنه لا يوجد لديهم ما يساهمون به أو يكسبونه. ليس هناك ما هو أبعد عن الحقيقة من هذا. الواقع هو أن "قضايا المرأة" هي قضايا للجميع. النساء ليست أقليات. تشكّل المرأة نصف السكان، لذا فإن حقوق المرأة ومسؤولياتها ليست قضايا بسيطة وإنما هي قضايا وطنية. ويشكّل أسلوب معاملة المرأة في عيون الدولة والقانون قضية مواطَنة وليس قضية نسائية. ويتطلب ضمان اشتمال المرأة كمواطنة دعم الشخصيات الذكورية العامة وعملهم الناشط. يُظهر تحليل الثورات المختلفة أن المرأة لعبت أدواراً مهمة كقائدة ومنظِمة وكذلك متظاهرة وموفّرة للدعم الفني واللوجستي. وتقدر المنظمات المصرية غير الحكومية أن 40 في المئة من المتظاهرين في "ميدان التحرير" كن من النساء. وفي اليمن، أدت المطالبات السلمية الرامية إلى وضع حد لنظام صالح إلى فوز توكل كرمان بجائزة نوبل للسلام لعام 2011. انطلقت ثورة ليبيا نتيجة لجهود مجموعة من النساء المحاميات. بدأت النساء السوريات المظاهرات ضد الأسد بتنظيم اعتصامات على الشوارع الرئيسية. كسبت النساء السعوديات حقهن في التصويت والترشّح للمناصب العامة وأن يصبحن عضوات بشكل كامل في مجلس الشورى من خلال إثبات قيمتهن كمهنيات وموظفات وطالبات وناشطات، وكذلك زوجات وأمهات. يتوجّب النظر إلى الأمثلة القوية للنساء في "الربيع العربي" ليس على أنه حدث استثنائي غير طبيعي، وإنما كسبيل اعتيادي ومقبول للنساء من كافة مناحي الحياة، للظهور والمشاركة في المساحة العامة والتعامل مع قضايا ذات اهتمام وطني. خرجت العلمانيات والناشطات الإسلاميات السياسيات، المحجبات وغير المحجبات، المحافِظات والليبراليات والمهنيات وربات البيوت على حد سواء إلى الشوارع، مثبتات أن القضايا لا تقتصر على مجموعة أو عقيدة أو نظرة واحدة. لا يحرم تحديد إنجازات المرأة ووصولها إلى دهاليز السلطة وصنع القرار الأمة من أصوات نصف سكانها فقط، ولكنه يحدد كذلك رؤية الجميع للشكل الذي يجب أن تتخذه الأمة وكيف يجب أن تعمل. إذا كانت هناك رسالة واضحة واحدة من "الربيع العربي" فهي كما يلي: الشعب، رجالاً ونساءً، لم يعد مستعداً لأن يكون سلبياً. إنهم عناصر تغيير ناشطين يعرفون حقوقهم وليسوا خائفين من المطالبة والعمل به وحتى الموت من أجله. وسوف يستمرون، كما نأمل، في الوقوف معاً من أجل واقع أفضل، أي شيء أقل من ذلك يسلب الدولة من الأصوات والعملاء الذين أوجدوها. نأمل أن يعطي الإعلام اهتماماً صحيحاً لدور المرأة القوي الذي لعبته وتستمر في لعبه ليس فقط في الثورات وإنما كذلك في العمل الجاد والمضني في بناء الدولة الذي ينتظر مستقبلاً. نحن بحاجة لأن نستمر بالنظر إلى المرأة واعتبارها عامل تغيير، ومشارِكة في إدارة الدولة حتى نستمر في الإيمان بأن كلاهما ممكن ومرغوب به. د. ناتانا جي ديلونج-باس رئيسة تحرير موسوعة أكسفورد في الإسلام والمرأة، وأستاذ علوم الدين المقارنة بكلية بوسطن ينشر بترتيب مع خدمة "كومون جراوند" الإخبارية