قصة انتشار الهنود في بورما تختلف من حيث النشأة، وإنْ كانت النهاية مشابهة لما حدث لهم في منطقة الكاريبي. ذلك أن عوامل مثل التصاق بورما جغرافيا بالهند، وارتباطها إدارياً حتى عام 1937 بحكومة الهند البريطانية ساهمت في انتقال عشرات الآلاف من الهنود إلى بورما في فترات مختلفة، للعمل كتجار أو محامين أو أطباء أو محاسبين أو مقاولين أو جنود أو موظفين في الجهاز المدني الاستعماري. وتقول إحدى الإحصائيات إن عددهم في 1931 وصل إلى مليون نسمة أو 6.9 بالمئة من إجمالي عدد السكان، وكان معظمهم يسكن في العاصمة "رانجون"، ويشغل مراكز معتبرة بسبب شهاداتهم وتخصصاتهم العلمية مقارنة بالبورميين الذين لم يكونوا مؤهلين بعد. ويـُعتقد أن هذا العامل معطوفاً على عامل آخر هو منافسة الهنود للبورميين في شراء العقارات والأراضي الزراعية بسبب مداخيلهم المرتفعة، تسبب في ممارسة التمييز ضدهم ومضايقتهم بغية إجبارهم على الرحيل. هذا الرحيل الذي تم فعلًا، لكن لأسباب أخرى تمثلت في انفصال بورما إداريا عن الهند البريطانية في 1937 ، واحتلال اليابانيين لبورما أثناء الحرب الكونية الثانية، حيث تسبب هذان الحدثان في عودة نحو نصف مليون هندي إلى بلدهم. أما من فضل البقاء فقد ذاق الأمرين، وخصوصاً في أعقاب استيلاء الجنرال "ني وين" على السلطة في انقلاب عسكري في عام 1962 ضد حكومة الرئيس "أونو" المنتخبة، وإقدام السلطة الجديدة على فرض التأميمات الاشتراكية الاعتباطية. وفيما يتعلق بهنود دول شرق أفريقيا، فقد بدأت هجرة الهنود إليها ابتداء من عام 1895 ، حينما هـجّرتْ بريطانيا نحو 37 ألفا، معظمهم من ولاية البنجاب، إلى تلك المناطق من أجل بناء خط حديدي يربط مـُومباسا التنزانية بـكمبالا الأوغندية. ولما كانت عملية البناء تلك شاقة ومحاطة بظروف طوبوغرافية ومناخية صعبة، فقد لقي آلاف الهنود المهجرين حتفهم أثناء العمل. أما من بقي منهم على قيد الحياة، فقد استقر في تلك الديار وتكاثر، لكن دون أن يـُمنح حقوقاً سياسية أو يـُسمح له بشغل الوظائف الحكومية، بل أُتهم في أحايين كثيرة بتأجيج الأوضاع السياسية طلباً لديمقراطية مشابهة لتلك المعمول بها في وطنه الأصلي. وهكذا انتهى هنود شرق أفريقيا كباعة على الأرصفة أو كمالكين لمتاجر وضيعة. وباستقلال أوغندا في الستينات، رفضت السلطات منحهم جنسية البلاد أو هويتها، مما دفع الكثيرين منهم إلى الاستفادة من وثائقهم البريطانية للهجرة إلى بريطانيا. ومن فضل البقاء طاردته لوثة الجنرال "عيدي أمين" الذي قفز إلى السلطة في عام 1972 ، وبدأ عهده بتأميم ممتلكات كل الآسيويين وطردهم من أوغندا. ولا تختلف حالة المهاجرين الهنود في كينيا وتنزانيا وزامبيا عنها في أوغندا، إذ مورس ضدهم شتى أنواع التمييز بمجرد استقلال هذه البلاد، وهو ما أجبرهم على الهجرة إلى بريطانيا ليلتحقوا بمواطنيهم من أفراد الهجرات الأولى التي بدأت في الخمسينات والستينات من القرن العشرين. ومما لا شك فيه أن أفضل الظروف التي يعيش فيها هنود المهجر، هي تلك التي توفرها لهم دولتا أميركا الشمالية (الولايات المتحدة وكندا) بدليل أنهما تجذبان ما بين 80 – 90 بالمائة من الهنود المؤهلين تقنياً ممن يعيشون في الخارج. وعلى الرغم من بروز بعض النزعات العنصرية ضدهم في السنوات الأخيرة بسبب جرائم وأحداث لم يكن لهم فيها يد، فإن المشهد العام يوحي بأنهم – منذ انتقالهم إلى هاتين الدولتين – يتمتعون بكامل حقوقهم، وينعمون بحياة مستقرة ودخول مجزية، ويشغلون مراكز مرموقة في حقول الطب والمحاماة والهندسة وتقنية المعلومات والتدريس الجامعي. ويشير تقرير هندي صدر في 1994 إلى أن 20 بالمائة من خريجي معاهد التقنية الإلكترونية في بومباي مثلا استطاعوا أن يجدوا لهم وظائف في السوقين الأميركي والكندي، وأنهم استطاعوا أن يراكموا ثروات خاصة بمعدل نصف مليون دولار سنوياً. ومما أورده التقرير أيضاً أن جل هؤلاء لا يفكر حالياً في العودة إلى وطنه بسبب ظروفه المعيشية والوظيفية الجيدة، وإن لم ينقطع عن إرسال تحويلات مالية منتظمة إلى ذويه في الوطن الأم. وأخيراً لا بد من الحديث عن هنود المهجر العاملين في دول الخليج العربية، والذين لا يكف البعض عن تناولهم بمناسبة ومن دون مناسبة، غامزين من قناة تحويلاتهم المالية الضخمة إلى ذويهم في الهند أو من قناة استحواذهم على فرص العمل المحدودة والأنشطة التجارية الصغيرة، أو من قناة تهديدهم للهوية والثقافة العربية. تعود هجرات الهنود الأولى إلى الخليج إلى ما قبل عقد الستينات، يوم أن كانت المنطقة تابعة إداريا لحكومة الهند البريطانية. وقتها، ورغم استعانة الجهاز المدني الاستعماري بالكثيرين من الهنود من ذوي الياقات البيضاء للعمل في إداراته، ورغم استعانة الكثيرين من أبناء الطبقة الموسرة بالهنود كخدم وموظفين، فإن أعدادهم لم تزد عن 150 ألفا شاملاً أولئك العاملين في القواعد العسكرية البريطانية في عدن والعراق، وذلك طبقا لدراسة نادرة أعدها الباحثان "بريكس" و"سينكلير" في 1980. غير أن هذا العدد الضئيل شهد ارتفاعا دراماتيكياً مع الطفرة النفطية الأولى في منتصف السبعينات، قبل أن تتبعه ارتفاعات أخرى متتالية. فمن 300 ألف نسمة في 1973 إلى 3.5 مليون نسمة في عام 2000 فإلى أكثر من 5 ملايين نسمة حالياً، لكن مع تغير واضح في نوعية العمالة المهاجرة. فالذين جاؤوا في البدايات كانوا مجرد عمالة منزلية أو باعة أو سائقين أو حلاقين أو خياطين، فيما اشتملت الموجات التالية على عمالة ماهرة في حقول التمريض والهندسة والطب والكهرباء والمحاسبة وتكنولوجيا المعلومات. وما يهمنا في الختام هو أن هنود المهجر، في مختلف الظروف والأوضاع والأحداث، كانوا ملتحمين مع وطنهم الأم في السراء والضراء، فلم يسجل مثلاً أن أحدهم باع نفسه للأجنبي، أو تجنى بالباطل على بلده أو لفق الأكاذيب ضده، أو سخـّر جهده لتهديد وحدته وسيادته. ومثل هذا الكلام نهديه إلى البعض من العرب ممن يبيعون أوطانهم بأبخس الأثمان للأعداء والطامعين، بل ويعلنون بملء الأفواه استعدادهم للتماهي مع مخططات العدو من أجل مصالح فردية أو مذهبية زائفة. د. عبدالله المدني باحث ومحاضر أكاديمي في الشأن الآسيوي من البحرين الإيميل:elmadani@batelco.com.bh