شكل مقتل القذافي وتحرر الشعب الليبي من حكمه الذي استمر اثنين وأربعين عاماً، مثالاً ساطعاً على حيوية قوى التغيير التي يمور بها العالم العربي، الساعية إلى رسم مستقبل أفضل لأبنائه، لكن في الوقت نفسه يشير تحرر ليبيا إلى قيادة أميركا لتحالفات قوية لا يمكن تعويضها. فقد جعل أوباما من تقوية تحالفاتنا الأمنية وتعزيزها، سواء في أوروبا أو آسيا، الحجر الأساس لاستراتيجية الانخراط الأميركي مع العالم. فهذه التحالفات تتيح مزايا خاصة للأمن الأميركي، منها تقييم مشترك للأخطار، وتقاليد من التعاون يمكن الاعتماد عليها، والقدرة على التحرك العسكري بسرعة وسلاسة، فضلا عن تقاسم الأعباء مع دافع الضرائب الأميركي، ناهيك عن القيم المشتركة بين الحلفاء فيما يتعلق بالديمقراطية والحريات. ومن المجحف الادعاء بأن تشكيل التحالفات وحرص أميركا على تنميتها يرجع إلى لحظة معينة، بل يمتد طيلة التاريخ الأميركي، حيث سعى الرؤساء من كلا الحزبين منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى إحاطة أميركا بشبكة قوية من التحالفات، وقد رأينا كيف ساهم إحياء أميركا لحلف شمال الأطلسي ودعمه في إنجاح المهمة في ليبيا، وذلك بطرق مختلفة أدت إلى النتائج التي شهدناها هناك؛ فأولا تحرك "الناتو" بسرعة لإنجاز مهمة محددة ومعروفة سلفاً وهي حماية المدنيين، وكانت تلك أسرع عملية لتشكيل تحالف واستدعائه للعمل في تاريخ "الناتو". وبعد فترة أولى كانت فيها الولايات المتحدة قائدة العمليات، تولى "الناتو" بعدئذ العمليات العسكرية الرامية إلى حماية المدنيين الليبيين، بينما كان فيه المجلس الوطني الانتقالي ينظم نفسه ويحشد قوته ليتمكن في النهاية من الإطاحة بالقذافي. وثانياً لابد من الإشارة إلى أن سرعة وفعالية العمليات العسكرية ما كانت لتتحقق لو تم الاعتماد على تحالف صغير من البلدان الراغبة في المشاركة، فمنذ البداية طالبت الدول الأعضاء في "الناتو"، ومعها الدول العربية الصديقة، تدخل الحلف في ليبيا وتوليه القيادة لضمان التنسيق الفعال مع الدول الـ18 المشاركة في العمليات، بل أن بعض الدول من خارج الحلف لعبت دوراً مهماً، ما يدلل على تنسيق "الناتو" مع جميع الحلفاء لإنجاح المهمة في ليبيا. وإذا كان الحلف قد نجح في إدماج دول من خارجه في العمليات فذلك لأنه يتوفر على القيادة العسكرية الوحيدة في العالم ذات الطبيعة المتعددة والهياكل المتنوعة التي تجعل من هذا التنسيق الصعب أمراً ممكناً. أما النقطة الثالثة في التدخل الأطلسي فتتمثل في استمرار الحاجة لقدرات عسكرية عالية لدى الدول الأعضاء، فقد نفذت طائرات الحلف أكثر من 26 ألف طلعة جوية وحوالي 10 آلاف عملية قصف. وفيما لعبت الولايات المتحدة الدور الريادي في بداية العمليات تراجعت إلى الخلف مفسحة المجال لباقي الدول ومكتفية بتوفير الدعم اللوجستي من خلال المراقبة الجوية. وفي المجمل لم تشارك الطائرات الأميركية إلا بـ10 في المئة من عدد الطلعات الجوية للحلف، بحيث تكلفت الدول المشاركة، لاسيما المملكة المتحدة وفرنسا، بتنفيذ نصف الطلعات الجوية فوق ليبيا، مع مشاركة مهمة من بلدان مثل بلجيكا وكندا والدنمارك وإيطاليا والنرويج، دون أن ننسى المساعدات التي قدمتها كل من هولندا وإسبانيا والسويد وتركيا. غير أن المشاركة في التدخل العسكري ضمن حلف "الناتو" هي أكثر من شعار، بل مثلت النقطة الرابعة التي تتعين الإشارة إليها، وهي اقتسام الكلفة. فقد بلغت كلفة المشاركة الأميركية في المهمة الليبية حوالي 1.2 مليار دولار طيلة الثمانية أشهر التي استغرقها التدخل العسكري، وهذا جزء يسير من الكلفة الإجمالية التي شاركت فيها باقي الدول، وأقل مما يكلفه أسبوع واحد من العمليات العسكرية الأميركية في أفغانستان والعراق. وفي كل هذا الجهد ظل الدور الأميركي واضحاً وحاسماً، فعندما بدأت الثورة في ليبيا سارع أوباما إلى دعوة مجلس الأمن الدولي لصياغة قرار قوي يضمن التدخل ضد القذافي وتحميله مسؤولية العنف، وحرص على تولي القوات الأميركية المهام التي تعجز قوات الدول الأخرى عن القيام بها. وفي لحظات حاسمة صعد الضغط على النظام الليبي، وأرسلنا طائرات بدون طيار إلى ليبيا للمساعدة في جمع المعلومات الاستخبارية حول المواقع الليبية. هذا بينما كانت الدبلوماسية الأميركية تعمل على إقناع دول العالم بالاعتراف بالمجلس الوطني الانتقالي. وفيما نركز اليوم على تقييم تدخل "الناتو" في ليبيا، وتعداد نقاط القوة، علينا أيضاً الاهتمام بالطريقة التي يبقى بها هذا التحالف قوياً في المستقبل، فنحن نعلم حجم القدرات الاستخباراتية والاستطلاعية التي يحتاجها "الناتو"، وعلى الدول الأعضاء في الحلف الاستثمار أكثر في المعدات والأنظمة المتطورة القادرة على التعامل مع المعارك الحديثة. وبينما يستعد أوباما لاستضافة قمة "الناتو" في مايو القادم بشيكاجو، ستكون من الأمور المطروحة على الأجندة دعوة التحالف إلى تطوير قدراته العسكرية. ورغم تحرير ليبيا من حكم القذافي، ستستمر التحديات أمام الحكومة الجديدة، سواء تعلق الأمر بتأمين البلاد وجمع السلاح، أو بتوفير العلاج للآلاف من الجرحى. وهنا يمكن للناتو الذي يستعد لإنهاء عملياته رسمياً، مواصلة العمل مع ليبيا الجديدة لتقديم ما يلزمها من دعم، وهو ما يعيدنا إلى حقيقة مهمة وهي أن التحالفات الأميركية القوية من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادي تظل ضرورية لحماية أمننا القومي وضمان قيادتنا العالمية، فضلا عن تعزيز رخائنا ونشر قيمنا.