في حياتنا القومية شخصيتان: العالم والراوي. والحوار بينهما يسجل حركة التاريخ. وهو التقابل بين الجد والهزل، بين المأساة والملهاة. وهما نمطا سلوك وتفكير يراهما العامة وقد تجسدا في شخصيات القادة، يبدو أحدهما عالماً والآخر راويّاً. وتحتوي كل شخصية على نماذج فرعية من السلوك يمكن وصفها على النحو الآتي: 1- العالم يضع سؤالًا محدداً من أجل الحصول على إجابة محددة وحل لمشكلة بعينها، يفكر فيها ويستغرقه الموضوع، ويصبح مهموماً به حتى يجد له أفضل الحلول. أما الراوي فإنه قد يحوله إلى حكاية للتسلية يرويها للناس ليبين صعوباته وألغازه التي تستعصي على الحل ثم يطويها بين ذراعيه ويخرجها من أطراف جلبابه كالساحر الشعبي، وكأن المسألة قد تم حلها بقدرة قادر، بعبقرية موهوبة وشخصية فذة لها سحرها وذكاؤها في برامج الأطفال ومسرحيات الكبار. 2- العالم يبدأ من واقع معين وبصورة إحصائية له ويحاول تغييره أو يعيد بناءه. أما الراوي فإنه يستعمل الواقع كنسيج لحكاية يقوم الخيال بصياغتها فيتحول الواقع إلى قصة تتأرجح يميناً ويساراً بلا واقع كمي إحصائي وكأن الواقع تاريخ، والوقائع شخصيات، والأوضاع الاجتماعية مجرد علاقات قوى. ويقوى موقف الراوي الذي يصور الواقع في خيال، ويحكي التاريخ على أنه قصة، يضحي بالعلم من أجل التشويق، ويؤول المضمون لصالح السرد. وبلغة علم الحديث عند العالم المتن أهم من السند وعند الراوي السند أهم من المتن. وبلغة الفلسفة عند العالم الحقائق جوهر ومضمون وعند الراوي كل شيء خاضع لطرق الإيحاء ووسائل الإقناع. 3- يبحث العالم عن العلل المتحكمة في مسار الأشياء، ويحاول التعرف على القوانين الضابطة لسير الظواهر حتى يمكن السيطرة عليها وتوجيهها لصالحه ولتحقيق غاياته. أما الراوي فإنه لا يبحث عن شيء وبالتالي فإنه يجهل قوانين الأشياء ثم يداري جهله اعتماداً على عناصر الرواية وأساليب التأثير. يضحي بالعلم من أجل الأدب، وبالفكر من أجل الأسلوب، وبالمضمون تمسكاً بالشكل. يسهل الحوار مع العالم وتبادل الآراء والتصحيح المشترك. أما الراوي فإنه لحن فريد لا يعزفه إلا مطرب واحد، ولا يمكن أن يكون في الحي الواحد مطربان. 4- أحيانًا تأخذ العالم الحمية وتنتابه الثورة، ويفقد أعصابه، يثور ويغضب، ثم يهدأ ويبرد، وهو في كلتا الحالتين صادق وإنسان. كرامة الوطن، وحرية القرار، والاستقلال الوطني، والسيادة على الأرض، كل ذلك مدعاة للفخر يثور العالم إذا ما نال أحد منها. أما الراوي فإنه يتعايش، يروي من فوق أية مصطبة كانت ما دام الجمهور حاضراً، وبالدف ضارباً، وحوله المزمار، وأمامه الراقصات. لا ينفعل بشيء إلا بقدر الحساب، وعلى قدر الاندماج في الدور. ما يهمه نجاح الليلة، ليلة العرس حتى ولو كان لدى الجيران مأتم. 5- العالم باكتشافه ريادته بطل عصره وقائد أمته لدى شعب يعشق البطولة، ويقدس الأبطال. أما الراوي فإنه يختفي ليلة الزفة إذا ما نشبت المعركة، وانطفأت الأنوار. بطل في السلام وحين الأمان، ولا يعثر له على أثر حين النزال. لا يعلن عن رأي، ولا يدخل في نقاش، ولا يختلف مع أحد. لا يهمه أن يكون بطلاً لدى قومه فلا قوم له إلا أصحاب الحفل ومن يعطي "النقوط". يغني في أي مكان ما دامت الأضواء مسلطة، والمصورون حاضرين، والتمثيلية جاهزة. العالم بطل تخلقه الظروف ، والراوي بطل يصطنع المواقف، ويخلق الظروف لنفسه حتى يقوم بدور الممثل، فتتتابع المشاهد حتى ولو أسدل الستار. 6- العالم يرى عالمَاً موضوعيّاً أمامه، يعيش فيه، ويتعامل مع معطياته. ذات في مواجهة موضوع، وعي في قلب عالم، قائد وسط أمة، تهمه القضية أكثر مما تهمه ذاته. أم الراوي فإنه نرجسي يحيل العالم كله إلى نفسه. فالعالم رواية أو قصة من نسج الخيال، الراوي في وسطها يعلن عن بداية العالم من خلال الرواية لجمهور المشاهدين. الراوي ذات بلا موضوع أي فراغ أجوف دون ملاء، أعراض بلا جوهر. العالم يبقى ببقاء الموضوع والراوي يتلاشى بانقضاء البالون ساعة الانفجار. 7- العالم له غاية وهدف ينطلق إليه كالسهم، يحدد مراحله، ويقرر خططه، ويضع في حسابه شتى الاحتمالات. العالم له قضية، له رسالة حياة. أما الراوي فإنه لا هدف له إلا إضحاك الجمهور أو إبكاؤه، لا خطط له ولا مراحل تحقق. وإن كان للراوي هدف فهو فقط ليلة العرس حتى يتصدر المائدة، ويظهر وسط الصور التذكارية معجباً بنفسه. لا يهم ما يحدث في اليوم التالي. هدف الراوي معكوس عليه، هو نفسه الرامي والسهم. فيتحول السهم ، ويدور حول نفسه، ويصيب الرامي. 8- العالم ثائر، يعرف ظروفه الموضوعية التي جعلته ثائراً وعلى دراية بأساليب إدارة الصراع. العالم عصر يعبر عن نفسه في فرد، وتاريخ يتحرك، وينتقل إلى مرحلة جديدة من مراحل مسيرته. أما الراوي فتاجر سمسار، وسيط وعميل، مقامر يكسب أحياناً ويخسر دائماً. العالم مبدأ، وصاحب موقف في حين أن الراوي رجل أعمال يتقاضى عمولات نظير عقده الصفقات بما في ذلك الوطن، ماؤه وأرضه، آثاره وتاريخه. 9- العالم رجل، ورجل أول لا يكون تابعاً لأحد ولا شخصية ثانية تضمر السوء من وراء ستار، "تتمسكن حتى تتمكن". أما الراوي فإنه في أحسن الأحوال رجل ثان، تابع صامت، يحيك المؤامرات، ويتحالف مع الأعداء، ويتربص الفرص للانقضاض. العالم سيد يتعامل مع أسياد، ند مع أنداد. أما الراوي فإنه صوت سيده، ضعيف مع أقوياء، ذليل مع أعزاء، يشعر بمركب النقص أمام من يشعرون بمركب العظمة، جاهل يسعى للحصول على الدكتوراه الفخرية من خارج الأوطان وجامعاته الوطنية تأبى أن يطأها. 10- العالم صادق مع النفس، وصادق مع الغير، وصادق مع واقعه. إن انتصر أعلن انتصاره، وإن هزم أعلن هزيمته. والراوي كاذب مع نفسه، كاذب مع غيره، إن انتصر جيشه الوطني قال انتصرت وإن هزمت خططه وألاعيبه ومناوراته قال انتصرت، يجهِّز البيارق والاحتفالات بالنصر قبل النصر لأن كل ما سيفرض عليه سيكون نصراً. العالم قد يخطئ التقدير ويعترف بخطئه، أما الراوي فإنه لا يخطئ أبداً لأنه لا يفعل شيئاً يقاس إما خطأ أو صواباً. وظيفته أداء المطلوب والتمويه على السامعين. خطؤه الوحيد أن يكتشف السامعون ألاعيبه أو ألا يحسن الأداء بمغالاته فيه ظاناً أن يرضي الأسياد الذين سرعان ما يتخلصون منه إذا ما انقلب من ممثل إلى مهرج فيبحثون عن ممثل أقدر في أولى أدواره قبل أن يكتشف ألاعيبه السامعون. 11- العالم لأنه صادق مع النفس طيب السريرة، صافي القلب، لا يبغي الشر ولا يوقعه. وفي نفس الوقت يغضب للحق، ويثور ضد الظلم. يجمع بين الوداعة والصلابة، بين اللين والشدة، كل في حينه. أما الراوي فإنه سيئ الخلق، يظهر غير ما يبطن، منافق، يتكلم يساراً ويسلك يميناً. يتلون كالثعبان، "حويط" كالأفعى. يستعمل لغة القتل والتشريد والتعذيب والفرم والأنياب. العالم يسمع النصيحة، ويرعوي بالمعارضة، والراوي يستأسد مع المعارضة وهم خصوم في الوطن، ويلين مع الأعداء ويسمع نصائحهم وينفذ وصاياهم وهم خصوم التاريخ. 12- العالم إن قضى نحبه يذكره الناس ويحملون نعشه بالملايين على الأعناق مبايعة في الحياة وفي الممات. يراه الناس في الأرض وفي الصناعة وفي الوطن، يذكره الفلاحون والعمال والطلاب. يحترمه خصومه وأعداؤه قبل أصدقائه وأنصاره. العالم يبقى في التاريخ مهما بعد العهد وقدم الزمان. أما الراوي فلا يذكره أحد حتى ولو ملأ الدنيا في حياته صراخاً. يعزلونه في الحياة وينسونه بعد الممات. لا أحد يفديه ساعة الخطر ولا أحد يذكره ساعة الرحمة ولا حتى الأسياد بعد مراسم الدفن وواجب العزاء. ذاك هو التقابل بين العالم والراوي في حياتنا السياسية المعاصرة وهو ما زال تقابلاً حيّاً في وجداننا القومي يحث على الاختيار. ولكن هل يستطيع "الكاتب المصري القديم" القاعد القرفصاء الذي يمسك بيده بالأقلام والألواح ويحفظ الملفات أن يجمع بين الشخصيتين: العالم والراوي؟