عاش معمّر القذّافي حاكماً متسلطاً حتى سمّى نفسه "ملك ملوك أفريقيا". وقلّد نفسه أوسمة متنوعة ومنح نفسه ألقاباً غريبة عجيبة. وأطلق مصطلحات وشعارات ومواقف أكثر غرابة وإثارة للتعجب من تلك الألقاب. وكل ذلك انطلاقاً من "النظرية الثورية" التي تضمّنها كتابه "الأخضر"، الذي اعتبر أساس الحكم في ليبيا! نصّب نفسه وليّاً على شؤون أفريقيا. وتأرجح بين الأفرقة والعروبة والإسلام والنظرية "الخضراء" الثالثة في رأيه. وأفريقيا غنية بمواردها وطاقاتها لكنها منهوبة وفقيرة في واقع الحال. استغل الفقر والتخلف والجهل فيها. لعب على آلامها وأوجاعها وحاجاتها ومصالحها وشهوات بعض قادتها ليتحكم ويبرز "ملك ملوك". عاش فوق البشر! بعيداً عنهم. وفي الأشهر الأخيرة قدّم نفسه مناضلاً عنيداً محبوباً من الملايين في أوساط شعبه مدعياً صموده وقدرته على دحر "الجرذان" والتخلص منهم، مؤكداً أنه سيبقى يقاتل حتى آخر لحظة... لكنه مات بشكل بشع. واجه الموت بضعف. هرب ولم يقاتل. وعندما أوقفوه قال لهم: "حرام عليكم"! وكأنه كان يعرف معنى الحرام في تعاطيه مع الآخرين. في احتجازهم أو قتلهم أو إذلالهم أو إفقارهم أو التكبّر عليهم أو التلاعب بمشاعرهم ومصالحهم ومستقبلهم. المهم ، قُتل القذافي، لم يعد موجوداً. نحن أمام ليبيا جديدة. هل تكون فعلاً جديدة بالمعنى الذي يطمح إليه الليبيون أم يكون الجديد فيها محصوراً بقتل القذافي والتخلص من حكمه فقط؟ اليوم يدور نقاش في الخارج حول قتله: انتقاد من الرئيس الأميركي لإظهار جثته وتباه بأن إدارته لم تظهر جثة بن لادن عندما قتلوه. لكنه تناسى كيف أعدم صدام أمام الشاشات. وماذا كان يعني ذلك بالنسبة إلى كثيرين من خصومه قبل أنصاره. لقد كان مشهداً استفزازياً في مناسبة عيد من أهم أعياد المسلمين. ويدور نقاش وتظهر تسريبات لمعلومات تتهم ساسة أوروبيون بأنهم قرروا قتل القذافي عن سابق تصوّر وتصميم ليتخلصوا منه، لأنهم يعلمون أنه كان مصمماً على كشف حقيقة علاقاته بهم، والاتفاقات التي عقدها معهم والأموال التي دفعها لهم. وبالتالي هم يريدون التخلص من هذه الحقيقة كي لا يتأثروا في انتخاباتهم المقبلة، بل يريدون استثمار قتله والتخلص منه في هذه الانتخابات. وبمعزل عن صحة هذه الروايات أو عدم صحتها فلا شك في أن الغرب مُدان بعدم براءته وبإقدامه على كل هذه العملية العسكرية في ليبيا ليس حباً بالشعب الليبي ولا رغبة في التخلص من طاغية وديكتاتور... فعندما اتفقوا معه وانفتحوا عليه، وساعدوه وطمأنوه كان لا يزال طاغية ودكتاتوراً ومتسلطاً. ربما فعلوا ذلك لطمأنته، بمعنى تخديره ووقع في فخهم. في كل الحالات هو يتحمل مسؤولية كل ما جرى في بلاده ويتحمل مسؤولية مصيره الأسود أيضاً. أعود وأقول دون تبرئة للغرب من أهدافه المسمومة في ليبيا وغيرها. إلا أن المهم هو مستقبل ليبيا. لقد كانت الفرصة الكبيرة بالتخلص من القذافي لكن ليبيا لم تتخلص من أزمتها بعد. ومحقّون الذين قالوا، "لقد انتهى الجهاد الأصغر وجاء وقت الجهاد الأكبر". أي انتهينا من القذافي، لنبدأ مرحلة بناء ليبيا الجديدة. ولا شك هنا في أن العملية صعبة. فبالرغم من أهمية الدور الذي لعبه المجلس الوطني الانتقالي والذي شكل رافعة وواجهة لعملية التغيير، فان المجلس في حد ذاته لم يتمكن من تشكيل حكومة انتقالية. وليس لديه برنامج واضح. وفي صفوفه تناقضات وخلافات. وكل هذا يؤثر سلباً على المرحلة المقبلة، وخصوصاً في المدى المنظور القريب. لذلك فإن عملية "التحرير" التي أخذت بعدأً شعبياً " ثورياً " عبر مجالس وهيئات وحركات ولجان بدأت تفرز حالات انقسام وتشدّد سياسياً وعسكرياً. في السياسة استعجل رئيس المجلس الانتقالي الليبي الحديث عن الشريعة الإسلامية قاعدة للحكم في البلاد قبل الاتفاق على دستور جديد بعناوينه العريضة، وقبل وجود هيئات أو مؤسسة حكم واضحة المعالم والطريق والتوجهات والآليات. وبعد ساعات قال عبد الجليل نفسه: لن تتغيّر القوانين في ليبيا! ومرحلة المخاض هنا قد تطول للوصول إلى اتفاق سياسي. وقد تواجهها تعقيدات كثيرة لا سيما في معالجة مسألة السلاح. لقد سلّم ثوار كثيرون أسلحتهم في إشارة إلى ضرورة العودة إلى الدولة. ورفض آخرون التسليم لأن لا دولة بعد. ولا مرجعية. ويريدون الاطمئنان إلى من سيسلّم هذا السلاح وأين سيستخدم! وثمة هنا مصالح ومراكز قوى ونفوذ. وبالتالي من قاتل وساهم في "النصر" يجب أن يكون له دور وموقع وحصة. وإلاّ سيكون له موقف آخر. هذه طبيعة النتائج التي تفرزها الحروب الأهلية، فكيف عندما يكون السلاح في متناول الجميع ولا يكون ثمة مرجعية؟ لقد كان صعباً تخيير الناس بين القبول بالديكتاتور أو الذهاب إلى الفوضى. أو الذهاب إلى حالات التطرف.كل خيار له ثمنه. والأثمان كبيرة. ولكن الحرام الذي يجب التوقف عنده هو: حرام أن يدفع الشعب الليبي هذا الثمن الكبير بشرياً (والخسائر تقدر بعشرات الآلاف من أبنائه) ومادياً (فقد دمّرت البلاد والمؤسسات وستنهب أموال الدولة كما حصل في العراق في سياق إعادة بنائها). وأن يدخل في الفوضى أو التنازع على السلطة وأن تفوته فرصة التغيير الحقيقي وبناء الدولة التي تشكل الضامن والراعي لكل أبنائها. هذا هو التحدي الكبير والرهان الكبير على القيادات والفعاليات. وعامل الوقت مهم جداً وحاسم هنا، لأن التأخر في الوصول إلى حد أدنى من التفاهم حول الخيارات والآليات لتنفيذها سيوسّع دائرة الفوضى وغياب الدولة ويتيح للغرب أن يحقق الكثير من أهدافه في رهن خيرات هذا البلد وتقاسمها... وما ينطبق على ليبيا يسري على سائر الدول العربية التي تعيش حالات مماثلة، أو هي على طريق الدخول في متاهات هذه الحالات إن لم يحسن قادتها قراءة الأحداث واعتماد الحسابات الدقيقة التي تجنب دولهم وشعوبها المخاطر المذكورة. الدولة هي الأساس. مع الدكتاتوريين وأنظمة القمع لم يكن ثمة دولة. كان ثمة سلطات. من الخطورة بمكان أن نحضر سلطات محلية بعد إسقاط هؤلاء وأن تبقى الدولة غائبة! حذار من الوقوع في هذا المطبّ.