العلاقات بين الهند وتركيا قديمة وذات جذور ضاربة في عمق التاريخ. فالأميرة خديجة خيرية عائشة در شاهوار، حفيدة آخر خليفة عثماني، السلطان عبد العزيز، كانت متزوجة من الأمير أعظم جاه، أكبر أبناء الحاكم الأغنى في الهند، "نظام دولة حيدر آباد" في جنوب الهند. كما أن قريبتها "نيلوفر" كانت متزوجة من الأمير معظَّم جاه، الابن الثاني لـ"نظام" وبالتالي، فلا غرو أن الزيارة التي يقوم بها نائب رئيس الجمهورية الهندي محمد حامد أنصاري إلى تركيا على مدى ستة أيام قد أتاحت فرصة واعدة لإعادة إحياء روابط قديمة والدخول في حوار سياسي مع أنقرة في أفق مؤتمر أفغانستان الذي سيعقد في ذلك البلد. وبفضل موقعها الجغرافي باعتبارها جزءاً من آسيا وأوروبا، كانت لتركيا دائما مكانة فريدة في المنطقة. وقد ساهم رد أنقرة القوي على حادث أسطول الحرية ودعمها الكبير لـ"الربيع العربي" من أجل مساعدة الشعوب العربية على تحقيق تطلعاتها في جعل مكانة أنقرة تكبر وتزداد في شؤون العالم. كما صعد رئيس الوزراء رجب طيب إردوجان إلى الواجهة باعتباره أبرز شخصية في الساحة السياسية في غرب آسيا. فعندما وصل حزب "العدالة والتنمية" إلى السلطة في 2002، كان الغرب قلقا بشأن تداعيات صعود حزب إسلامي إلى السلطة في تركيا؛ غير أن أردوجان الذي فهم العناصر الأساسية للسياسة الدولية جيدا انتهج طريقاً وسطاً ليثبت للعالم أن لا تناقض بين الإسلام والعلمانية بمعناها الحديث. وهكذا، تمكن أردوجان من الحفاظ على وحدة البلاد وأمنها القومي، إضافة إلى النجاح في إدماج بلاده ضمن النظام العالمي. ونتيجة لذلك، باتت بلدان العالم تنظر إلى تركيا اليوم نظرة تقدير واحترام باعتبارها نموذجاً للديمقراطية والإسلام المعتدل والتقدم الاقتصادي. السياسة الخارجية التركية الجديدة بدأت في 2002، ومنذ ذلك الوقت وهي تعمل على إعادة تحديد توجهات سياستها الخارجية في أفريقيا والشرق الأوسط وآسيا. وفي هذا الإطار، يندرج الخطاب الذي ألقاه رئيس الوزراء التركي مؤخراً أمام الجامعة العربية وموقفه القوي الداعم لقرار في الأمم المتحدة يعترف بقيام دولة فلسطينية، واللذان كان لهما تأثير إيجابي على تركيا في الشارع العربي. وعلاوة على ذلك، فإن بلدان الخليج العربي التي تنظر إلى إيران بعين الريبة تبدو مرتاحة أيضاً مع تركيا والدور الجديد الذي بدأت تلعبه أنقرة في المنطقة. وعلى الرغم من أن الهند وتركيا لا تشتركان في حدود بينهما، إلا أن لدى البلدين مصالح واسعة وكبيرة في آسيا الوسطى وغرب آسيا والخليج العربي. فتركيا "الجديدة" مهتمة بشكل كبير بتطوير علاقات أكثر قوة مع البلدان العربية المجاورة لها؛ ويمكن القول إن استقرارها السياسي والاقتصادي، وموقعها الاستراتيجي، إضافة إلى مستوى الارتياح مع بلدان الخليج العربي... كلها عوامل تجعل العلاقات الهندية- التركية في غاية الأهمية وذات تأثيرات جانبية إيجابية على علاقات الهند مع البلدان العربية. وفي الوقت نفسه، تقوم تركيا، في إطار سعيها إلى تنويع اقتصادها وسياستها الخارجية، بمد جسور التواصل والتقرب من الصين والهند وقوى اقتصادية صاعدة أخرى. وهكذا، فقد شعرت الحكومة الهندية أيضاً، في وقت التغيير هذا، بالحاجة إلى الانخراط مع تركيا، ليس فقط على الجبهة الاقتصادية وإنما أيضاً بخصوص مواضيع السياسة الخارجية. وفي هذا الإطار، التقى نائب رئيس الجمهورية الهندي خلال هذه الزيارة التي تكتسي أهمية بالغة في هذا الظرف، مع زعماء أتراك رفيعي المستوى، وفي مقدمتهم الرئيس عبد الله غول، وناقشوا جل المواضيع المهمة والجوهرية التي تهم البلدين. إن تركيا اليوم هي الاقتصاد السادس عشر عالمياً، في حين أن الهند بدأت تحتل لنفسها مكانة بين الأمم باعتبارها أسرع اقتصاد عالمي نمواً ومستعدة لتقلد دور الزعامة في آسيا. والواقع أن كلا البلدين لديه إمكانيات ضخمة للتطور والاستفادة المتبادلة خلال السنوات المقبلة في وقت بدأت فيه العلاقات على المستويات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية تعرف فيه ازدهاراً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة. ففي 2009، بلغ حجم التجارة بين البلدين حوالي 2.3 مليار دولار؛ وفي 2010، ارتفع إلى حوالي 4 مليارات دولار، وحتى الآن بلغ حجم التجارة البينية خلال الأشهر الثمانية الأولى من هذا العام بـ4.8 مليار دولار. وفي هذه الأثناء، يقدر الخبراء أن الهند ستحتاج، خلال الستة أشهر المقبلة، إلى ما يناهز تريليون دولار أميركي من الاستثمارات على الأقل، ولاسيما في قطاعي النقل والبنى التحتية. والواقع أن تركيا بمقدورها أن تصبح في موقع مناسب لتقديم خبرتها في قطاع البناء والتعاقد، والاستفادة مادياً من صفقات العقود الهندية. وفي الوقت نفسه، تستطيع الهند بناء قدرات تركيا في مجال المباني ذات الفعالية في استهلاك الطاقة. ويمكن القول عموما إن العلاقات الاقتصادية ما بين الهند وتركيا يمكن أن تنتج عنها مشاريع تفيد الجانبين في مختلف القطاعات. وبذلك، يمكن أن تصبح تركيا بوابة الهند إلى شرق أوروبا، مثلما تستطيع الهند أن تصبح بوابة تركيا إلى الشرق وجنوب شرق آسيا.